دولية

القوة الناعمة.. كيف ساعدت الروابط التاريخية والثقافية روسيا على مواجهة الضغوط الغربية؟

تناول الكاتب الروسي سيرغي فلوروف دور القوة الناعمة في السياسة الدولية، معتبراً أنها أسهمت في مساعدة روسيا على التعامل مع ضغوط خارجية واسعة فرضت عليها خلال السنوات الماضية.

وفي مقال نشره موقع «بروفيل»، أشار فلوروف إلى أن حجم الإجراءات والضغوط التي تعرضت لها موسكو كان، برأيه، كفيلاً بإرباك أي دولة أخرى، متسائلاً في الوقت نفسه عن أسباب استمرار روسيا في الصمود وعدم نجاح محاولات عزلها دولياً.

ويرى الكاتب أن السؤال الأبرز بالنسبة للغرب لا يتعلق فقط بمدى تأثير العقوبات والإجراءات المتخذة ضد موسكو، وإنما أيضاً بسبب استمرار علاقات روسيا مع عدد كبير من دول العالم، وعدم تخلي غالبية هذه الدول عنها رغم الضغوط الغربية.

الذاكرة التاريخية ترجح كفة روسيا

يستشهد فلوروف بحادثة وقعت في إحدى الدول الأفريقية، حيث كانت النخب المحلية تناقش منح امتياز لاستخراج المعادن لشركة روسية أو أخرى غربية، وكانت المؤشرات، وفق روايته، تميل في البداية لمصلحة الطرف الغربي.

لكن القرار النهائي جاء لمصلحة الشركة الروسية، وهو ما أثار استغراب المنافسين، بحسب الكاتب، قبل أن تتضح أهمية عامل تاريخي تمثل في العلاقات التي نشأت خلال الحقبة السوفياتية.

ويوضح فلوروف أن عدداً كبيراً من السياسيين والمسؤولين الأفارقة تلقوا تعليمهم في الاتحاد السوفياتي، وهو ما أسهم في تكوين روابط شخصية وثقافية استمرت بعد عودتهم إلى بلدانهم وتوليهم مناصب مختلفة.

ويشير إلى أن آلاف الطلاب من مختلف أنحاء العالم درسوا في الجامعات السوفياتية، بينما يواصل عدد كبير من الطلاب الأجانب الدراسة في روسيا حالياً، معتبراً أن هذه العلاقات التعليمية شكلت أحد عناصر التأثير غير المباشر لموسكو.

ويضيف أن الاتحاد السوفياتي لم يقتصر دوره على توفير التعليم للطلاب القادمين من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بل قدم لهم، في حالات عديدة، دعماً واسعاً، كما حصلت بعض حكومات بلدانهم لاحقاً على إعفاءات من ديون بمليارات الدولارات.

القوة الناعمة تتجاوز الحسابات الاقتصادية

ويرى الكاتب أن العلاقات التي نشأت خلال تلك المرحلة لا يمكن قياسها فقط بالأرقام والحسابات الاقتصادية، لأن الطلاب الأجانب لم يحصلوا على التعليم فحسب، بل عاشوا أيضاً تجارب اجتماعية وثقافية مشتركة مع أقرانهم السوفيات.

ويقول إن سنوات الدراسة أسهمت في بناء علاقات إنسانية قائمة على التعاون والصداقة والدعم المتبادل، مشيراً إلى أن كثيراً من هؤلاء الأشخاص عادوا بعد تخرجهم إلى بلدانهم وشقوا طريقهم المهني، لكنهم احتفظوا بذكريات إيجابية عن فترة إقامتهم في الاتحاد السوفياتي.

وبحسب فلوروف، تحولت هذه التجارب الشخصية بمرور الوقت إلى نوع من رأس المال السياسي والثقافي الذي يمكن أن تستفيد منه روسيا في علاقاتها مع دول أخرى، حتى بعد مرور عقود على انتهاء الحقبة السوفياتية.

إيزابيل دوس سانتوس والدبلوماسية الشعبية

ويتطرق الكاتب كذلك إلى إيزابيل دوس سانتوس، ابنة الرئيس الأنغولي السابق خوسيه إدواردو دوس سانتوس، التي نشأت في أفريقيا ولها ارتباطات عائلية بروسيا من جانب والدتها.

ويعتبر فلوروف أن هذه الروابط ساهمت في تكوين موقف إيجابي تجاه روسيا، مشيراً إلى مشاركتها في أنشطة مرتبطة بالحوار بين موسكو وعدد من الدول، وإلى حضورها في النقاشات المتعلقة بالقضايا الدولية، ومنها الحرب في أوكرانيا والعلاقات بين روسيا والغرب.

ويربط الكاتب بين هذه الحالات وبين ما يسميه «الدبلوماسية الشعبية»، التي تعتمد على العلاقات الشخصية والثقافية والاجتماعية إلى جانب القنوات الرسمية بين الحكومات.

الثقافة في مواجهة الخلافات السياسية

وينتقل فلوروف إلى الحديث عن الجهود المتعلقة بعودة الأطفال من مناطق النزاع المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن الخلافات السياسية حالت، لفترة طويلة، دون التوصل إلى حلول بشأن بعض الملفات الإنسانية.

ويقول إن المواقف السياسية المسبقة والصور النمطية المرتبطة بالصراع أصبحت عائقاً أمام معالجة قضايا إنسانية، قبل أن تلعب الثقافة والموسيقى دوراً مختلفاً في إحدى الفعاليات التي يتحدث عنها.

وخلال حفل موسيقي أقيم ضمن فعاليات ذلك الحدث، عُزفت مقطوعة للملحن سيرغي غريشوك، بينما عُرضت على شاشة القاعة مشاهد وصور لأطفال من مناطق نزاع مختلفة، من بينها فلسطين ودونباس.

وبحسب رواية الكاتب، كان للمشهد تأثير عاطفي في الحاضرين، ولا سيما زوجات عدد من المفاوضين، اللاتي شجعن أزواجهن على دعم جهود لم شمل العائلات، وهو ما يقول فلوروف إنه أسهم لاحقاً في تحقيق تقدم في هذا الملف.

الموسيقى كأداة للتقارب

ويعتبر فلوروف أن هذه الواقعة تمثل، من وجهة نظره، مثالاً على قدرة الثقافة والفن على تجاوز الحواجز التي تفرضها الحسابات السياسية المباشرة.

ويرى أن الموسيقى استطاعت في تلك الحالة التأثير في المشاعر الإنسانية، بعيداً عن المواقف السياسية المتعارضة، معتبراً أن ذلك يعكس أحد أوجه القوة الناعمة التي يمكن أن تمتلكها الدول والمجتمعات.

ويخلص الكاتب إلى أن مصادر القوة الناعمة الروسية لا ترتبط بالمؤسسات الحكومية وحدها، وإنما تشمل أيضاً الأشخاص الذين يحتفظون بعلاقات وذكريات واهتمامات مشتركة مع روسيا، ويرى أن هذه الروابط الإنسانية والثقافية يمكن أن تستمر في التأثير في العلاقات الدولية حتى في فترات التوتر والصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى