محمد زفزاف.. روائي مغربي كسر قيود الواقعية وترك أثره في أجيال من الأدباء

لم يكن الكاتب والروائي المغربي محمد زفزاف يدرك، وهو يكافح في شبابه لمواصلة دراسته بجامعة محمد الخامس، أن خلافا فكريا مع أستاذه الفيلسوف محمد عزيز الحبابي سيحول مساره، ويبعده عن إكمال دراسته الجامعية كما كان يطمح. فقد اتجه إلى التفرغ للقراءة والعمل مدرسا للغة العربية، وقضى أوقاتا طويلة في المقاهي المتواضعة والحانات الليلية، قبل أن يصبح خلال سنوات قليلة واحدا من أبرز روائيي المغرب.
ولا يزال محمد زفزاف (1945-2001)، الذي رحل قبل نحو ربع قرن، يحتل مكانة بارزة في تاريخ الرواية المغربية الحديثة، حتى لُقّب بشاعر الرواية المغربية ومفكر التمرد والاختلاف. وقد منحت أعماله، وفي مقدمتها رواية «الثعلب الذي يظهر ويختفي» الصادرة عام 1985، تجربته الأدبية طابعا تخييليا خاصا، جعله من أكثر الروائيين المغاربة إثارة للقراءة والجدل، إلى جانب رفيقيه في الكتابة والحياة محمد شكري وإدريس الخوري.
وشكّل هذا الثلاثي، منذ ستينيات القرن العشرين، علامة فارقة في المشهد الثقافي المغربي، بفضل ما حملته أعمالهم الروائية والقصصية من تجديد جمالي وتمرد على القوالب السائدة. وقد وضعتهم كتاباتهم في مواجهة مع مؤسسات رسمية وأوساط ثقافية محافظة، رأت في أعمالهم خروجا على الأخلاق العامة وتجاوزا للعادات والتقاليد داخل مجتمع كان لا يزال يتلمس طريقه بعد الحقبة الاستعمارية.
ولم تكن روايات مثل «محاولة عيش» لمحمد زفزاف، و«الخبز الحافي» لمحمد شكري، و«بيت النعاس» لإدريس الخوري، مجرد أعمال عابرة في تاريخ الأدب المغربي، بل أصبحت مراجع أدبية لتجربة سردية تحررت من القوالب التقليدية الموروثة عن مرحلة الستينيات.
سلطة الواقعية ومواجهة أعراف المجتمع
مثّلت هذه الأعمال، منذ صدورها، مواجهة مباشرة مع البنية الاجتماعية السائدة، إذ كشفت تناقضاتها وانتقدت أعرافها السياسية وتقاليدها الاجتماعية، مقدمة صورة أدبية عن القهر السياسي والتصدع الاجتماعي اللذين عرفهما المغرب في تلك المرحلة.
ورغم رحيل زفزاف وشكري والخوري، لا تزال آثارهم حاضرة في الرواية والقصة المغربيتين، إذ امتد تأثير عوالمهم التخيلية إلى أجيال لاحقة من الكتاب. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ظهرت أعمال روائية استلهمت تجربة زفزاف إلى حد جعل بعض أصحابها يُوصَفون بأنهم «زفزافيون»، نظرا إلى التشابه الجمالي في توظيف الواقعية، واستحضار الفضاء الحضري للدار البيضاء، وتصوير الشخصيات المهمشة والمنسية اجتماعيا.
وكانت اللغة اليومية إحدى أبرز أدوات زفزاف في بناء عالمه الروائي؛ فقد نجح في إدماج المحكي اليومي داخل النسيج السردي بسلاسة، متمردا على القوالب الروائية الجامدة والأنظمة اللغوية التقليدية. ولم يكن هدفه مجرد الالتزام بقواعد الرواية الحديثة أو الانصياع لنظريات النقد الثقافي، بل تطوير شكل روائي يعكس لغته ومواقفه وأفكاره ورؤيته للمجتمع.
غير أن تأثير زفزاف امتد، في نظر بعض القراءات النقدية، إلى تجارب اتجهت نحو تقليد أسلوبه بدلا من الانطلاق منه لبناء مشاريع أدبية مستقلة. فقد استلهمت كتابات لاحقة تلقائيته السردية، ولغته القريبة من الحياة اليومية، ومرجعياته الاجتماعية العميقة، لكنها لم تنجح دائما في تجاوز حدود المحاكاة.
وعلى الرغم من إدراك النقاد أوجه التشابه بين هذه الأعمال وتجارب زفزاف وشكري والخوري، فإن جزءا من الخطاب النقدي والأكاديمي تعامل معها باعتبارها امتدادا طبيعيا لذلك الإرث، لما يجمعها من اهتمام بعوالم الفقر والتهميش وبؤس الحياة اليومية، وتحويل هذه التفاصيل إلى مادة لبناء سرد أدبي يربط اللغة بالواقع.
وشهدت الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2010 صدور أعمال عديدة ظلت، وفق هذه القراءة، تدور في فلك ذلك الثلاثي الأدبي. ومع مرور الوقت، أصبح التناص مع تجاربهم يُقدَّم بوصفه استمرارا لمسار روائي يستمد مادته من الهامش الاجتماعي وآلام الحياة اليومية.
لكن استلهام تجربة زفزاف لا يعني بالضرورة استكمال مشروعه الأدبي؛ فالكتابة، في جوهرها، تعبير عن موقف فكري وذائقة جمالية ورؤية نقدية للمجتمع. وعندما تتحول المحاكاة إلى تقليد للأسلوب والصنعة والمرجع الاجتماعي، يفقد النص استقلاله، ويبدو كأنه يستعير لغة الكاتب الآخر ووجدانه بدلا من أن يبلور صوته الخاص.
من التقليد إلى البحث عن أفق تخييلي جديد
لم تنجح بعض التجارب التي حاولت المزج بين إرث محمد زفزاف وهواجس الذات الفردية في إنتاج مسار أدبي جديد يتجاوز حدود التأثر. فقد ظلت أعمال عدة خلال تسعينيات القرن العشرين تستعيد عوالمه الاجتماعية ولغته السردية، بما في ذلك توظيف مفردات الدارجة المغربية وتلقائيتها، من دون أن تتمكن دائما من تحويل هذا التأثر إلى ابتكار مستقل.
وبهذا المعنى، لم يؤدِّ انتشار النموذج الزفزافي وحده إلى تحرير الرواية المغربية من القوالب التقليدية، بل ساهم أحيانا في إعادة إنتاج نمط تخييلي يركز على الهامش الاجتماعي، قبل أن تبدأ ملامح تحول أوسع في الظهور مع مطلع الألفية الثالثة.
وفي تلك المرحلة، برزت نصوص روائية أخذت تبتعد تدريجيا عن الاقتصار على تصوير الهامش الاجتماعي، وتبحث عن آفاق تخييلية مختلفة، مستفيدة من تحولات الواقع المعاصر ومن تنوع المرجعيات الفكرية والثقافية.
من الصدى إلى الأثر
لم يكن التحول بعيدا عن الواقعية في أواخر تسعينيات القرن الماضي مجرد قرار جمالي اتخذه الكتاب لفتح مسارات جديدة أمام الرواية، بل ارتبط بتغيرات أعمق في الواقع الاجتماعي والثقافي، انعكست على طبيعة الكتابة وأساليبها.
فقد شهدت تلك المرحلة ظهور صيغ أدبية متنوعة سعت إلى إعادة النظر في السلالات الأدبية الموروثة، وتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، بحثا عن أشكال تعبير أكثر قدرة على استيعاب تعقيدات الواقع وتحولاته.
واعتمدت هذه التجارب على خلفيات معرفية أوسع، مستفيدة من العلوم الإنسانية والاجتماعية، وساعية إلى نقل الأدب من الاكتفاء بوصف الظواهر وتفسيرها إلى بناء نصوص تتفاعل فيها اللغة مع التفكير والتحليل.
وهكذا، لا يتجلى أثر محمد زفزاف في عدد الروايات التي استلهمت أسلوبه أو أعادت إنتاج عوالمه فحسب، بل في الأسئلة التي أثارتها تجربته بشأن العلاقة بين الأدب والمجتمع، وحدود الواقعية، وحرية اللغة، وقدرة الكاتب على تحويل الهامش المنسي إلى مادة أدبية تكشف تناقضات الحياة وتعيد التفكير فيها.





