أزمة صناعة السيارات الألمانية تدفع الشركات نحو الصناعات العسكرية والدفاعية

منذ فضيحة “الديزل” التي هزت مجموعة فولكس فاغن عام 2015، دخل قطاع صناعة السيارات الألماني في دوامة من الأزمات المتلاحقة التي أعادت رسم ملامح واحدة من أهم الصناعات في أوروبا. فبعد التراجع الحاد في الإنتاج بين عامي 2018 و2019، جاءت أزمة الرقائق الإلكترونية خلال فترة جائحة كورونا بين 2020 و2022، قبل أن يدخل القطاع منذ عام 2022 في أزمة هيكلية عميقة ما تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
وباتت المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الصناعة الألمانية، إذ توقع اتحاد صناعة السيارات الألماني فقدان نحو 225 ألف وظيفة بحلول عام 2035، وهو العام الذي يعتزم فيه الاتحاد الأوروبي حظر محركات الاحتراق الداخلي، رغم أن القطاع يشغّل حالياً نحو 770 ألف شخص داخل ألمانيا وحدها.
وفي أحدث المؤشرات على تفاقم الأزمة، أعلنت شركة “بورشه” التابعة لمجموعة “فولكس فاغن” تسجيل خسائر تقارب 923 مليون يورو خلال الربع الأول من العام الجاري.
ونقلت صحيفة “هاندلسبلات” الاقتصادية عن رئيسة اتحاد صناعة السيارات الألماني، هيلدغارد موللر، قولها إن هذه التطورات “تبعث على القلق”، مؤكدة أن ألمانيا كموقع صناعي تواجه أزمة خطيرة ومستمرة ستكون لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة.
ومع تعمق الأزمة، بدأت كبرى شركات السيارات الألمانية، مثل “مرسيدس بنز” و”بي إم دبليو” و”فولكس فاغن” وشركاتها التابعة، إلى جانب شركات تصنيع قطع الغيار، البحث عن قطاعات بديلة أكثر ربحية واستقراراً.
وتشير دراسة أشرف عليها معهد “ألِنسباخ” الألماني إلى أن 79% من الشركات المرتبطة بصناعة السيارات بدأت التوجه نحو مجالات جديدة، فيما توسع نحو ربع هذه الشركات أنشطتها في الصناعات العسكرية والدفاعية، إلى جانب قطاعات الطاقة والطيران والتقنيات الطبية والسكك الحديدية.
وفي هذا السياق، تحول مصنع “أزنابروك” التاريخي التابع لـ”فولكس فاغن” إلى رمز لهذا التحول، بعد إعلان المجموعة نيتها إغلاقه العام المقبل. ووفق تقارير صحفية ألمانية، جرت مفاوضات سابقة مع شركة “راينمتال” الألمانية للصناعات العسكرية للاستحواذ على المصنع، قبل أن تتراجع الصفقة لاحقاً.
لكن “فولكس فاغن” وجدت مساراً بديلاً، إذ أفادت تقارير لصحيفتي “بيلد” و”فايننشال تايمز” بأن المجموعة توصلت إلى اتفاق مع شركة “رافائيل” الإسرائيلية للصناعات العسكرية لاستخدام المصنع في إنتاج مركبات مرتبطة بمنظومة “القبة الحديدية” الدفاعية.
ولا يقتصر هذا التحول على “فولكس فاغن” وحدها، إذ يشير خبراء إلى أن الصناعات الدفاعية أصبحت وجهة متنامية لشركات السيارات وقطع الغيار الألمانية الساعية لتعويض خسائرها.
فشركة “أوتوفيو”، المنفصلة عن “كونتننتال”، وقعت اتفاقية تعاون مع شركة “هنزلوت” المتخصصة في الصناعات الإلكترونية العسكرية، بينما أبرمت “شيفلر” شراكة مع شركة “هِلسينغ” المتخصصة في الطائرات المسيّرة، كما دخلت شركات أخرى في مشاريع مرتبطة بالمركبات العسكرية والتقنيات الدفاعية.
ويبرز المشروع المشترك بين “راينمتال” وشركة “إم إيه إن” التابعة لـ”فولكس فاغن” كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، بعدما حصل على عقد بقيمة 3.5 مليارات يورو لتزويد الجيش الألماني بآلاف المركبات العسكرية.
ويحظى هذا التوجه بدعم مباشر من الحكومة الألمانية، إذ دعت برلين شركات القطاع الصناعي، نهاية العام الماضي، إلى قمة خاصة ركزت على دمج خبرات قطاع السيارات مع احتياجات الصناعات الدفاعية، خاصة في مجالات الهياكل خفيفة الوزن وأنظمة الجودة المتقدمة والتقنيات الدفاعية الحديثة.
وأكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال القمة أن الفصل بين صناعة السيارات والصناعات العسكرية “لم يعد منطقياً”، وهو ما أدى إلى إنشاء منصة تهدف إلى ربط الشركات المدنية بشركات الصناعات الدفاعية.
وترى صحف ألمانية أن ما يعيشه قطاع السيارات يعكس في جوهره الأزمة الأوسع التي تواجه الاقتصاد الألماني، حيث لم يعد القطاع الذي كان يمثل العمود الفقري للاقتصاد بمنأى عن الضغوط العالمية والتحولات الصناعية الكبرى.
وفي المقابل، استفادت شركات الصناعات العسكرية من تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، خصوصاً بعد إعلان ألمانيا تخصيص مئات المليارات لتحديث قدراتها العسكرية، ما فتح الباب أمام طفرة كبيرة في قطاع التسليح.
وفي ظل هذه التحولات، تسعى شركات السيارات الألمانية إلى اقتطاع حصة من النمو السريع في الصناعات الدفاعية، حيث بدأت “مرسيدس بنز” بالفعل عرض نسخ عسكرية من طراز “جي كلاس”، بينما تعمل “فولكس فاغن” على تطوير نماذج أولية لمركبات عسكرية جديدة، في مؤشر واضح على تغير أولويات الصناعة الألمانية خلال المرحلة المقبلة.





