تقنية

«الذكاء الاصطناعي الخفي».. كيف تهدد أدوات الموظفين السرية بيانات الشركات؟

تحول استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جزء أساسي من بيئة العمل الحديثة، إذ تعتمد شركات كثيرة على أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة موظفيها في كتابة المحتوى وتحليل البيانات والبرمجة وإنجاز المهام اليومية.

لكن بالتوازي مع هذا الاستخدام الرسمي، ظهرت ظاهرة متزايدة تعرف باسم «الذكاء الاصطناعي الخفي»، وتعني لجوء الموظفين إلى أدوات وخدمات ذكاء اصطناعي خارجية دون الحصول على موافقة الشركة أو الرجوع إلى أنظمتها الداخلية.

وتثير هذه الممارسة مخاوف متزايدة لدى المؤسسات، خصوصا عندما يقوم الموظفون بإدخال معلومات سرية أو بيانات حساسة في خدمات لا تخضع لسياسات الحماية التي تعتمدها الشركة.

ما المقصود بالذكاء الاصطناعي الخفي؟

يشير مصطلح «الذكاء الاصطناعي الخفي» إلى استخدام الموظف لأداة ذكاء اصطناعي بشكل شخصي لإنجاز مهمة مرتبطة بعمله، من دون أن تكون هذه الأداة معتمدة أو مصرحا باستخدامها من جانب المؤسسة.

وقد يشمل ذلك أدوات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي، أو خدمات إنشاء المحتوى، أو منصات البرمجة والمساعدة في كتابة الأكواد، إضافة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بشكل شبه مستقل.

وتكمن المشكلة في أن الشركة قد لا تعرف أصلا أن بياناتها تمر عبر هذه الخدمات، وبالتالي يصعب عليها مراقبة المعلومات التي يتم إدخالها أو معرفة كيفية التعامل معها بعد ذلك.

موظفون يستخدمون حساباتهم الشخصية

أظهر تقرير نقلته صحيفة «ذا ريجستر» أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح منتشرا بصورة واسعة بين الموظفين، حيث يستخدم 45% من العاملين أدوات الذكاء الاصطناعي في وظائفهم.

ومن بين هؤلاء، يعتمد 67% على خدمات الذكاء الاصطناعي من خلال حساباتهم الشخصية، وفقا لدراسة أجرتها شركة «فيرايزون».

ولا تتوقف المشكلة عند أدوات المحادثة، بل تمتد إلى منصات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ووكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يمكنهم الوصول إلى ملفات وبيانات متعددة لتنفيذ المهام المطلوبة.

ومع اتساع نطاق الصلاحيات التي تحصل عليها هذه الأدوات، تزداد أيضا احتمالات تعرض البيانات الحساسة للتسريب أو المعالجة خارج بيئة الشركة.

تسريب البيانات والشيفرات المصدرية

تكشف المعطيات الواردة في التقرير عن حجم المخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام غير المنظم لهذه التقنيات، إذ ارتبطت أدوات الذكاء الاصطناعي بنحو 28% من حوادث تسريب البيانات والشيفرات المصدرية، سواء تعلق الأمر بأدوات مساعدة على البرمجة أو بخدمات أخرى تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ويصبح الخطر أكبر عندما يقوم الموظف بإدخال شيفرة مصدرية خاصة بالشركة أو مستندات داخلية أو معلومات تتعلق بالعملاء إلى منصة خارجية، خصوصا إذا كانت المؤسسة لا تملك سيطرة مباشرة على طريقة تخزين هذه المعلومات ومعالجتها.

سامسونغ وتجربة كشفت حجم الخطر

تعد شركة سامسونغ من أبرز الأمثلة على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة غير رسمية.

ففي عام 2023، أدخل موظفون في الشركة معلومات حساسة إلى خدمة «شات جي بي تي»، ما أدى إلى تسرب بيانات داخلية، وفقا لتقارير إعلامية في ذلك الوقت.

وعقب الحادثة، اتخذت سامسونغ إجراءات صارمة، من بينها حظر استخدام «شات جي بي تي» داخل الشركة، في محاولة لمنع تكرار مثل هذه الوقائع وحماية المعلومات الحساسة.

وأظهرت الحادثة أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود ثغرة تقنية في النظام، وإنما قد تبدأ من سلوك الموظف نفسه عندما يستخدم خدمة خارجية دون معرفة واضحة بسياسة التعامل مع البيانات.

لماذا يمثل الذكاء الاصطناعي الخفي خطرا؟

تكمن الخطورة الرئيسية في أن الموظف قد يتعامل مع أداة الذكاء الاصطناعي باعتبارها مجرد وسيلة مساعدة، بينما يمكن أن تحتوي البيانات التي يرسلها إليها على معلومات شديدة الحساسية.

وقد تشمل هذه المعلومات العقود، والبيانات المالية، ومعلومات العملاء، والشيفرات البرمجية، والخطط التجارية، والمراسلات الداخلية، وغيرها من الوثائق التي لا يفترض نقلها إلى خدمات خارجية.

كما أن بعض الخدمات قد تستخدم بيانات المستخدمين وفقا لسياسات محددة في تحسين منتجاتها أو تطوير نماذجها، ما يجعل إدخال معلومات الشركة دون مراجعة شروط الخدمة أو سياسة الخصوصية أمرا محفوفا بالمخاطر.

كيف يمكن للشركات تقليل المخاطر؟

رغم هذه المخاطر، لا يعني ذلك أن المؤسسات يجب أن تمنع موظفيها من استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، خصوصا أن هذه الأدوات أصبحت وسيلة مهمة لرفع الإنتاجية وتسريع إنجاز الكثير من المهام.

لكن الحل يكمن في وضع سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل، وتحديد الأدوات المسموح بها، ونوعية البيانات التي يمكن إدخالها إليها.

كما ينبغي توعية الموظفين بعدم إدخال المعلومات السرية أو الشيفرات الخاصة بالشركة في خدمات غير معتمدة، مع توفير بدائل مؤسسية آمنة تلبي احتياجاتهم.

التحكم في مشاركة البيانات

يمكن للمستخدمين أيضا مراجعة إعدادات الخصوصية في خدمات الذكاء الاصطناعي التي يعتمدون عليها، ومعرفة كيفية استخدام بياناتهم والتحكم في خيارات مشاركة المحادثات والمعلومات عندما تكون الخدمة تتيح ذلك.

وفي حالة «شات جي بي تي»، يمكن الوصول إلى إعدادات الحساب ثم الانتقال إلى عناصر التحكم في البيانات لمراجعة الخيارات المتعلقة باستخدام المحادثات والبيانات.

وتبقى الخطوة الأهم بالنسبة للشركات هي الجمع بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي ووضع ضوابط واضحة لاستخدامه، لأن منع الموظفين من هذه الأدوات قد لا يكون حلا عمليا، بينما يؤدي السماح بها دون رقابة إلى فتح قناة جديدة لتسرب المعلومات الحساسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى