دولية

تركيا والعراق يتفقان على تسليم معسكر بعشيقة بعد أكثر من عقد على إنشائه

أنشأت تركيا عام 2015 معسكرًا عسكريًا في منطقة زليكان قرب بعشيقة بمحافظة نينوى، بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان، بهدف تدريب قوات البشمركة في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. لكن المعسكر سرعان ما تحول إلى أحد أبرز الملفات الخلافية بين أنقرة وبغداد، إذ طالبت الحكومة العراقية بانسحاب القوات التركية من أراضيها، في حين بررت أنقرة وجودها بالتهديدات الأمنية القادمة من شمال العراق، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني الذي اتخذ من المناطق الجبلية قواعد خلفية لعملياته داخل تركيا.

وبعد أكثر من عقد على إنشاء المعسكر، ظهرت مؤشرات على تسوية الخلاف بشأنه ضمن تفاهم يرتبط بمستقبل قضاء سنجار. فعلى هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اتفق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على تسليم معسكر بعشيقة-زليكان، الذي يضم نحو 600 جندي تركي، إلى الحكومة العراقية وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما.

ويأتي الاتفاق بالتوازي مع تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، والعمل على بسط سلطة الدولة العراقية في قضاء سنجار، وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة فيه.

ويربط التفاهم بين إحراز بغداد تقدمًا في تنفيذ الإجراءات الأمنية وتسليم المعسكر، بما يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الوجود العسكري التركي في العراق، الذي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي وشمل عشرات المواقع والقواعد العسكرية، في ظل تغير الظروف الأمنية التي بررت هذا الانتشار.

جذور الحضور العسكري التركي في شمال العراق

تعود جذور الوجود العسكري التركي في شمال العراق إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما تصاعد نشاط حزب العمال الكردستاني مستفيدًا من الطبيعة الجبلية الوعرة للمناطق الحدودية بين العراق وتركيا، وانشغال بغداد بالحرب مع إيران ومواجهة التمرد الكردي في شمال البلاد.

وفي عام 1983، وقع البلدان اتفاقية للتعاون الأمني الحدودي سمحت للقوات التركية بتنفيذ عمليات لملاحقة الجماعات المسلحة داخل الأراضي العراقية بعمق يصل إلى 5 كيلومترات، ما وفر أساسًا قانونيًا وسياسيًا لتحركات أنقرة العسكرية في شمال العراق.

وازدادت أهمية المنطقة بالنسبة إلى تركيا بعد حرب الخليج عام 1991، مع تراجع سيطرة بغداد على شمال البلاد وفرض الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا منطقة حظر جوي شمال خط العرض 36.

وأتاح هذا الوضع للأحزاب الكردية العراقية بناء مؤسسات للحكم الذاتي بعيدًا عن سلطة الحكومة المركزية، بينما استفاد حزب العمال الكردستاني من الفراغ الأمني لتعزيز وجوده في المناطق الجبلية، وإنشاء قواعد ومخازن للأسلحة ومراكز للتدريب، واستخدام الأراضي العراقية عمقًا خلفيًا لعناصره التي تنفذ هجمات داخل تركيا.

ومع مرور الوقت، أصبحت منطقة قنديل، الواقعة قرب الحدود العراقية التركية الإيرانية، المعقل الرئيسي للحزب.

وفي ظل هذه التطورات، تبلور هاجسان رئيسيان لدى أنقرة؛ أولهما تنامي القدرات العسكرية والتنظيمية لحزب العمال الكردستاني، وثانيهما احتمال أن يمهد الحكم الذاتي الكردي في العراق الطريق أمام قيام دولة مستقلة، بما قد يعزز النزعة القومية لدى الأكراد داخل تركيا.

التنافس الكردي يفتح المجال أمام التمدد التركي

في المقابل، وجدت أنقرة في التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني فرصة لبناء علاقات مع القوى الكردية العراقية.

ومع اندلاع المواجهات بين الحزبين عام 1994، ساند حزب العمال الكردستاني الاتحاد الوطني الكردستاني ضد منافسه، بينما تقارب الحزب الديمقراطي مع تركيا. ونشرت أنقرة قوات داخل الإقليم في سياق مراقبة وقف إطلاق النار، وهو ما أتاح لها جمع معلومات عن تحركات حزب العمال وتعزيز حضورها العسكري في المنطقة.

وخلال تسعينيات القرن الماضي، تطورت العمليات التركية من مطاردة العناصر المسلحة التي تعبر الحدود إلى شن حملات عسكرية تستهدف معسكرات الحزب وطرق إمداده.

وفي مايو/أيار 1997، أطلق الجيش التركي عملية «المطرقة»، التي شارك فيها أكثر من 20 ألف جندي، وأعقبها ترسيخ وجود عسكري أكثر استدامة في شمال العراق، مع إنشاء أربع قواعد متقدمة قرب المناطق التي يستخدمها حزب العمال الكردستاني، وهي حفتانين وأفاشين والزاب وهاكورك.

وبذلك انتقلت الاستراتيجية التركية من تنفيذ عمليات عسكرية محدودة يعقبها انسحاب القوات إلى الأراضي التركية، إلى إقامة نطاق أمني متقدم يهدف إلى مراقبة تحركات الحزب، والحد من قدرته على استخدام شمال العراق قاعدةً لشن هجمات داخل تركيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى