ثقافة

حرائق الحرب تطال ذاكرة بيروت الثقافية.. كيف التهمت النيران آلاف الكتب ودور النشر؟

لم تقتصر آثار الحرب الأخيرة في لبنان على المباني والبنية التحتية، بل امتدت إلى المشهد الثقافي، بعدما أتت الغارات على مكتبات ودور نشر ومستودعات كتب في بيروت، مخلفة خسائر كبيرة طالت مئات آلاف النسخ وأرشيفات ثقافية راكمها ناشرون على مدى عقود.

وباتت عبارة “احترق” تتكرر في المكتبات البيروتية كلما سأل قارئ عن كتاب لم يعد له وجود، بعدما تحولت مخازن كاملة إلى ركام، وفُقدت معها عناوين نادرة ومخطوطات وأعمال فكرية يصعب تعويضها.

بيروت.. مدينة الكتاب تواجه خسارة ثقافية كبيرة

لطالما احتلت بيروت مكانة بارزة في صناعة النشر العربي، إذ شكلت لعقود مركزا لطباعة الكتب وتوزيعها، وملاذا للكتّاب والمفكرين في ظل ما تمتعت به من هامش واسع لحرية النشر مقارنة بدول عربية أخرى.

وتحولت المدينة إلى مركز ثقافي احتضن دور نشر ومكتبات لعبت دورا محوريا في نشر الإنتاج الفكري والأدبي العربي، إلا أن الحروب المتعاقبة جعلت هذا الإرث عرضة لخسائر متكررة.

وخلال الأسابيع الأولى من الحرب الأخيرة، تعرضت 11 مكتبة لأضرار متفاوتة، بينها ثلاث مكتبات دمرت بالكامل، كما تضررت أو توقفت عدة دور نشر عن العمل نتيجة القصف.

نصف قرن من العمل تحول إلى رماد

كان الناشر بسام كردي من بين أكثر المتضررين، بعدما دُمّر مستودع دار “المركز الثقافي للكتاب” بالكامل إثر غارة استهدفت المبنى الذي يضم المخزن في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأدى القصف إلى احتراق نحو 250 ألف نسخة تمثل أكثر من 500 عنوان في الفكر والأدب والتاريخ، إلى جانب مخطوطات ووثائق غير منشورة، في خسارة مادية قُدرت بما يزيد على مليوني دولار.

ورغم حجم الخسائر، يؤكد كردي عزمه على استئناف نشاطه، معتبرا أن ما احترق هو المخزون الورقي، بينما بقيت فكرة المشروع ورسالة النشر قائمة.

400 ألف كتاب اختفت في لحظات

كما فقدت دار “مؤمنون بلا حدود” كامل مخزونها بعد انهيار مستودعاتها، حيث احترق ما يقارب 400 ألف كتاب تمثل نحو 400 عنوان، بينها ترجمات وأعمال فكرية يصعب إعادة إنتاجها بسرعة بسبب حقوق النشر والعقود.

وترى صاحبة الدار ميادة كيالي أن الخسارة تجاوزت الجانب المادي، إذ تمثل كل كتاب بالنسبة إليها سنوات من الجهد والعمل، مؤكدة أن الدار بدأت العمل على إعادة إصدار بعض العناوين وإتاحتها بصيغ رقمية.

دور نشر ومكتبات تبدأ من الصفر

ولم تسلم “دار الرافدين” أيضا من آثار الحرب، بعدما تعرض مقرها ومستودعاتها للتدمير، ما أدى إلى فقدان أكثر من 1300 عنوان وأرشيف كامل للنشر، إضافة إلى خسائر مادية كبيرة.

أما مكتبة “فيلوسوفيا”، فتحولت إلى أنقاض بعد استهدافها، مع احتراق أكثر من 20 ألف عنوان، بينها طبعات نادرة وموقعة لعدد من أبرز الأدباء والشعراء العرب.

ويؤكد أصحاب هذه المؤسسات أن التحدي لم يعد يقتصر على تعويض الكتب، بل يشمل إعادة بناء المساحات الثقافية التي كانت تشكل ملتقى للقراء والباحثين والمثقفين.

محاولات للحفاظ على الذاكرة الثقافية

في المقابل، يسعى عدد من الناشرين وأصحاب المكتبات إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر نقل الكتب إلى أماكن أكثر أمانا، وإعادة طباعة العناوين الأساسية، والتوسع في نشر الكتب الإلكترونية لتقليل مخاطر فقدان المحتوى الثقافي.

ويرى العاملون في قطاع النشر أن ما تعرضت له بيروت لا يمثل خسارة لمؤسسات بعينها، بل يمس جزءا من الذاكرة الثقافية العربية، في مدينة ارتبط اسمها لعقود بالكتاب وحرية النشر والإنتاج الفكري.

وتبقى جهود إعادة البناء مستمرة، في محاولة للحفاظ على دور بيروت الثقافي، رغم الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب في واحدة من أبرز عواصم النشر في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى