حوكمة الذكاء الاصطناعي.. هل ينجح العالم في بناء قواعد مشتركة للتقنية؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية مؤقتة، بل تحول إلى قضية عالمية تتجاوز الحدود والثقافات والاختلافات المهنية والاجتماعية، بعدما أصبح حاضرا في مختلف تفاصيل الحياة. ومع التسارع الكبير في قدراته، تقف البشرية أمام مسارين متناقضين: استثمار هذه التكنولوجيا لتحقيق تحولات تنموية واقتصادية واسعة، أو مواجهة مخاطر قد تكون عميقة وطويلة الأمد.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات إلى تعاون دولي يضع إطارا مشتركا لحوكمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع اتساع دائرة التحذيرات من مخاطره، حتى من جانب شركات التكنولوجيا والباحثين العاملين في هذا المجال.
تحذيرات من تحول غير مسبوق
برزت المخاوف من سرعة تطور الذكاء الاصطناعي في بيان صدر في 13 يوليو/تموز تحت عنوان «يجب أن نتحرك الآن»، ووقع عليه نحو 200 شخصية بارزة من مختلف أنحاء العالم، بينهم 15 من الحائزين على جائزة نوبل وعدد من كبار الاقتصاديين والعاملين في مختبرات الذكاء الاصطناعي.
وحذر البيان من أن التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي قد يتجاوز في حجمه تأثير الثورة الصناعية، لكن في فترة زمنية أقصر بكثير، وهو ما يعكس تصاعد المخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الوجودية لهذه التكنولوجيا.
ولا تتعلق المخاوف فقط بإمكانية فقدان الوظائف أو تغير طبيعة سوق العمل، بل تمتد إلى قضايا أوسع، تشمل الأمن، والخصوصية، والتضليل، واستخدام الأنظمة المستقلة، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.
حوار جنيف يؤسس لمسار عالمي
في مواجهة هذه التحديات، بدأت الأمم المتحدة مسارا دوليا يهدف إلى بناء مقاربة مشتركة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، من خلال «الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي» الذي يمثل منصة دولية واسعة للنقاش حول مستقبل هذه التكنولوجيا.
ويعود هذا المسار إلى «التعاهد الرقمي العالمي» الذي أُقر ضمن «ميثاق المستقبل» في سبتمبر/أيلول 2024، قبل أن يتعزز بقرار أممي حظي بتوافق الآراء في أغسطس/آب 2025.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن الذكاء الاصطناعي أصبح قضية تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على إدارتها، مهما بلغت إمكاناتها التقنية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل التعاون الدولي ضرورة لتقليل المخاطر وتوزيع فوائد التكنولوجيا بصورة أكثر عدالة.
مشاركة واسعة في مؤتمر جنيف
احتضنت جنيف يومي 6 و7 يوليو/تموز 2026 النسخة الأولى من الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، في حدث جمع أطرافا متعددة من مختلف أنحاء العالم.
وشارك في المؤتمر 3062 شخصا، يمثلون 162 دولة عضوا في الأمم المتحدة، في حضور عكس اتساع الاهتمام الدولي بقضية حوكمة الذكاء الاصطناعي.
كما شهد الحدث مشاركة سياسية رفيعة المستوى، من بينها ستة رؤساء دول وحكومات وأكثر من 60 وزيرا، إلى جانب ممثلين عن شركات التكنولوجيا والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع التقني.
وتركزت المناقشات على تبادل التجارب وأفضل الممارسات، والبحث عن آليات مشتركة يمكن أن تساعد الدول على التعامل مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، على أن تتواصل العملية خلال الاجتماع المقبل المقرر عقده في نيويورك في مايو/أيار 2027.
هل يمكن أن يكون الخطاب الأخلاقي عالميا؟
رغم اتساع المشاركة في حوار جنيف، تظل هناك مسألة أساسية تتعلق بطبيعة القيم التي ستحدد قواعد التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
فالتجارب السابقة في مجال الأخلاق التطبيقية تشير إلى أن الكثير من النقاشات العالمية حول القضايا الأخلاقية الحديثة نشأت في المجتمعات الغربية، مستفيدة من التفوق العلمي والبحثي والمؤسسي الذي تمتلكه تلك المجتمعات.
وبمرور الوقت، تحولت بعض التصورات والقواعد الأخلاقية التي نشأت في بيئات غربية إلى مرجعيات يجري التعامل معها باعتبارها صالحة للتطبيق عالميا، رغم ارتباطها في الأصل بسياقات ثقافية وفلسفية ودينية محددة.
إشكالية «العقل العام»
يرتبط هذا المسار بما طرحه الفيلسوف الأميركي جون رولز حول مفهوم «العقل العام»، الذي يقوم على اعتماد مبررات وقيم يمكن أن يشترك فيها المواطنون عند صياغة القوانين والقرارات العامة، مع إبعاد المرجعيات الدينية والفلسفية الخاصة عن عملية التبرير السياسي.
وقد أسهم هذا التصور في تشكيل كثير من النقاشات الحديثة حول الأخلاق، بما فيها الأخلاق الطبية والحيوية، التي تطورت بصورة متزايدة ضمن إطار علماني يركز على مبادئ يمكن قبولها داخل المجتمعات المتنوعة.
وامتد النقاش نفسه إلى مجالات أخرى، مثل أخلاقيات البيئة، حيث ظهرت أحيانا مقاربات تنتقد الأطر الدينية أو تقلل من قدرتها على تقديم حلول للقضايا الأخلاقية المعاصرة.
العالم العربي أمام فرصة للمشاركة
في المقابل، غالبا ما تعاملت المجتمعات غير الغربية، ومن بينها المجتمعات العربية والإسلامية، مع الخطاب الأخلاقي العالمي بوصفها متلقية أكثر من كونها طرفا أصيلا في صياغته.
وتراوحت الاستجابات بين قبول النماذج الأخلاقية التي نشأت في الغرب ومحاولة إعادة صياغتها في إطار إسلامي، من خلال الاستناد إلى النصوص الدينية أو مقاصد الشريعة لتفسيرها وتبريرها، وبين رفض بعض هذه النماذج باعتبارها مرتبطة بخصوصيات ثقافية لا تنسجم مع المجتمعات الأخرى.
وفي كلتا الحالتين، بقيت المشاركة في كثير من الأحيان ضمن إطار التفاعل مع أفكار صيغت مسبقا، بدلا من الإسهام المباشر في إنتاج المفاهيم والقواعد منذ المراحل الأولى لتشكلها.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قواعد النقاش
تفرض الثورة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي فرصة مختلفة، لأن حجم التحديات التي تطرحها التكنولوجيا يجعل من الصعب احتكار صياغة قواعدها من قبل مجموعة محددة من الدول أو الثقافات.
فإذا كان الهدف هو بناء نظام عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، فإن شرعيته لن تعتمد فقط على عدد الدول المشاركة في المؤتمرات، وإنما على مدى قدرتها على الإسهام الحقيقي في صياغة المبادئ والقواعد والمعايير التي ستحدد مستقبل هذه التكنولوجيا.
ومن هنا، فإن المشاركة العربية والإسلامية لا ينبغي أن تقتصر على استيراد التصورات الأخلاقية الجاهزة أو محاولة تكييفها بعد ظهورها، بل تتطلب انخراطا معرفيا مبكرا في القضايا التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، وتقديم رؤى مستندة إلى التجارب والقيم والاحتياجات الخاصة بهذه المجتمعات.
نحو حوكمة تعكس «الأغلبية العالمية»
تكشف تجربة حوار جنيف أن بناء قواعد عالمية للذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد مسألة تقنية، بل سيكون أيضا نقاشا حول القيم والحقوق والمسؤوليات وحدود استخدام التكنولوجيا.
ولهذا، فإن وصف الخطاب بأنه «عالمي» يتطلب أكثر من مشاركة دول متعددة في الاجتماعات الدولية؛ إذ يجب أن تكون مختلف الحضارات والمجتمعات والأقاليم قادرة على التأثير الفعلي في صياغة هذا الخطاب.
وفي ظل تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تبدو الحاجة ملحة إلى تجاوز المركزية الغربية في صياغة المعايير الأخلاقية، والانتقال إلى نموذج تشاركي يتيح لما يعرف بـ**«الأغلبية العالمية»** أن تكون شريكا أصيلا في تحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي.
فالتحدي المقبل لا يتمثل فقط في كيفية تطوير أنظمة أكثر ذكاء، وإنما في تحديد أي قيم ستحكم هذه الأنظمة، ومن سيضع قواعد استخدامها، وكيف يمكن ضمان أن تعكس الحوكمة العالمية تعدد المجتمعات والثقافات التي ستتأثر بهذه التكنولوجيا.





