ليبيا تكثف جهودها لاستعادة آثارها وحماية مواقعها التاريخية من الاندثار

تواصل السلطات الليبية تحركاتها الرامية إلى استعادة القطع الأثرية والوثائق التاريخية النادرة التي تعرضت للنهب والتهريب إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع جهود لحماية المواقع الأثرية وصيانتها، خصوصا تلك المدرجة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
وتأتي هذه المساعي في ظل تحديات أمنية وبيئية تواجه قطاع التراث الليبي، الذي يضم آثارا تعود إلى حضارات متعاقبة تركت بصماتها على امتداد البلاد، إلى جانب أرشيف ضخم يوثق مراحل مختلفة من تاريخ ليبيا.
صبراتة.. آثار حضارات متعاقبة
تعد مدينة صبراتة الأثرية، الواقعة على الساحل الليبي المطل على البحر المتوسط غرب البلاد، واحدة من أبرز الشواهد على التنوع الحضاري الذي عرفته ليبيا عبر التاريخ.
وتأسست المدينة على يد الفينيقيين كمركز تجاري حمل اسم «سبراط»، قبل أن تدخل لاحقا تحت الحكم الروماني، الذي ترك فيها عددا كبيرا من المعالم الأثرية، وفي مقدمتها المسرح الروماني الشهير الذي لا يزال قائما في قلب الموقع.
لكن الاضطرابات الأمنية وعمليات النهب التي شهدتها ليبيا خلال العقد الماضي ألقت بظلالها على هذه المواقع، ودفع منظمة اليونسكو إلى إدراج صبراتة، إلى جانب خمسة مواقع أثرية ليبية أخرى، ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
مياه البحر تهدد الموقع الأثري
ويواجه الموقع الأثري في صبراتة، إلى جانب التحديات الأمنية، تهديدات بيئية متزايدة، أبرزها تقدم مياه البحر وتأثيرها في البنية التحتية والمعالم التاريخية.
وأوضح مراقب آثار صبراتة، محمد المنصوري، أن رفع المدينة من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر يتطلب تكثيف أعمال الترميم والصيانة، إلى جانب تنفيذ أعمال فنية وميدانية لحماية الموقع.
وأكد أن التعامل مع تأثير مياه البحر يمثل أحد الملفات الرئيسية التي تحتاج إلى تدخلات متواصلة للحفاظ على المعالم الأثرية وضمان بقائها للأجيال المقبلة.
وتضم صبراتة عددا كبيرا من المعالم التاريخية، كما ترتبط المدينة منذ قرون بالنشاط التجاري، فيما يمثل القطاع السياحي أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من ثراء الموقع الأثري.
المتحف الوطني يستعيد مقتنيات نادرة
وفي طرابلس، يمثل المتحف الوطني أحد أبرز المؤسسات التي تحتفظ بجزء مهم من الذاكرة التاريخية الليبية، إذ يضم مقتنيات تمتد زمنيا من عصور ما قبل التاريخ، مرورا بالحضارات القديمة، وصولا إلى مراحل أحدث من تاريخ البلاد، بما في ذلك فترة مقاومة الاستعمار الإيطالي.
وأعيد افتتاح المتحف بعد عملية تجديد استمرت نحو 14 عاما، ليعود إلى أداء دوره في حفظ الموروث الثقافي الوطني وعرض القطع الأثرية التي جرى استرداد بعضها من خارج ليبيا.
وأكدت مديرة المتحف الوطني في طرابلس، فتحية أحمد عبد الله، أن المؤسسات الليبية تمكنت من استعادة عدد من القطع الأثرية ذات القيمة الكبيرة، من بينها تمثال نصفي للإلهة بيرسفوني أعيد من الولايات المتحدة، وتمثال آخر للإلهة نفسها استُرد من بريطانيا.
معركة قانونية لاستعادة الآثار
ولا تتم عملية استرداد القطع الأثرية المهربة بمجرد العثور عليها، إذ تتطلب إجراءات قانونية ودبلوماسية معقدة لإثبات ملكية الدولة الليبية للمقتنيات وتحديد ظروف خروجها من البلاد.
وأوضحت مديرة المتحف الوطني أن استعادة هذه القطع تستلزم المرور بمراحل قانونية ودولية لإثبات ملكيتها، قبل إتمام الإجراءات الرسمية لإعادتها إلى ليبيا.
وتعكس هذه العملية طبيعة المعركة التي تخوضها المؤسسات الليبية لاستعادة التراث المنقول إلى الخارج، حيث تتداخل الجوانب الأثرية مع القوانين الدولية والوثائق التاريخية وإجراءات إثبات الملكية.
30 مليون سند لحفظ الذاكرة الوطنية
ولا تقتصر جهود حماية التراث الليبي على المواقع الأثرية والتماثيل، بل تمتد إلى الوثائق والمخطوطات والصور والتسجيلات التي توثق تاريخ البلاد.
ويضم المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية مجموعة ضخمة من المواد التي تؤرخ لمراحل متعددة من تاريخ ليبيا، وصولا إلى الأحداث التي رافقت ثورة فبراير/شباط.
وقال مدير المركز، محمد الجراري، إن المؤسسة تمكنت خلال الفترة الممتدة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي من جمع ما يقارب 3 ملايين وثيقة من أرشيفات مختلفة، شملت الأرشيف الإيطالي والعثماني والسنوسي والدنماركي وغيرها.
وقد ساعدت عملية جمع هذه الوثائق في تشكيل قاعدة أرشيفية واسعة تسهم في حماية جانب كبير من الذاكرة الوطنية الليبية من الضياع والاندثار.
التراث الليبي بين الاستعادة والحماية
وتكشف الجهود الليبية لاستعادة الآثار والوثائق أن حماية التراث لا تقتصر على تأمين المواقع التاريخية، بل تشمل أيضا استعادة المقتنيات التي خرجت من البلاد، وترميم المعالم المهددة، وحفظ الوثائق التي تؤرخ لمراحل الدولة والمجتمع.
وبينما تواجه المواقع الأثرية تحديات أمنية وبيئية، خصوصا في المناطق الساحلية، تحاول المؤسسات الليبية إعادة بناء منظومة متكاملة لحماية التراث، تجمع بين أعمال الترميم والصيانة والتوثيق والتحرك القانوني والدولي.
وتبقى صبراتة وغيرها من المدن الأثرية الليبية شاهدة على تاريخ يمتد لآلاف السنين، في وقت تمثل فيه استعادة القطع المنهوبة وحماية الوثائق والمواقع التاريخية خطوة أساسية للحفاظ على الذاكرة الثقافية للبلاد.





