ثقافة

سناء شعلان: لا قوة للكلمة أمام السلاح.. والنقد «كائن طفيلي» يعتاش على الأدب

في حوار صريح اتسم بلهجة نقدية حادة، وضعت الأكاديمية والروائية الأردنية الدكتورة سناء شعلان إصبعها على عدد من القضايا الشائكة في المشهد الثقافي العربي، رافضة ما وصفته بـ”الرومانسية الزائفة” التي تتعامل مع الكلمة باعتبارها قوة قادرة بمفردها على مواجهة السلاح.

وتحدثت شعلان عن واقع المثقف العربي، وعلاقة الأدب بالسياسة والقوة، كما قدمت رؤيتها للنقد الأدبي، مؤكدة أن النص الإبداعي قادر على الاستمرار بفضل قوته الفنية، وليس بفضل ما يكتبه النقاد عنه.

وتملك شعلان مسيرة أدبية حافلة، حصدت خلالها عشرات الجوائز، كما أصبحت أول أديبة عربية تُرشح لجائزة في أدب الخيال العلمي من مؤسسة “روساتوم” الروسية عن عملها “وأخيرا السماء صافية”.

“تقاسيم الفلسطيني” وصوت الألم الجماعي

وحول وصف بعض النقاد مجموعتها القصصية “تقاسيم الفلسطيني” بأنها أشبه بسلم موسيقي يروي مأساة شعب، رفضت شعلان هذا التوصيف، معتبرة أنه “مضلل وسطحي وغير صحيح”.

وقالت إن المجموعة لا تقدم مأساة الفلسطيني في صورة موسيقية أو غنائية، وإنما تعرض صورا فردية تجسد الألم الجماعي لشعب عانى من الاحتلال والخذلان، موضحة أن القصص تمثل تنويعات فردية على صوت جماعي مثقل بالألم.

وترى شعلان أن المجموعة لا تسعى إلى تجميل المأساة أو تحويلها إلى مشهد جمالي، بل تحاول التعبير عن تجارب إنسانية فردية تختزل معاناة شعب بأكمله.

الكلمة لا تواجه الصاروخ

وفي ظل ما يوصف بأنه زمن “الكلمة في مواجهة الصاروخ”، رفضت شعلان الاعتقاد بأن الأدب أو الخطاب الثقافي يمكن أن يعادل القوة العسكرية.

وقالت إن قوة السلاح والتكنولوجيا والقدرة على الردع والفتك تتفوق على الكلمات مهما بلغت بلاغتها، معتبرة أن الحديث عن قدرة الكلمة وحدها على مواجهة القوة العسكرية يدخل في إطار الوهم والرومانسية السياسية.

وانتقدت في الوقت نفسه واقع المثقف العربي، مشيرة إلى أن السلطات القمعية تحاصر الحريات وتفرض قيودا على التعبير، بينما تحول الانتهازية والشّللية دون قيام كثير من المثقفين بأدوارهم الحقيقية.

وترى أن قلة فقط من المثقفين مستعدة للدفاع عن الحقيقة والإصلاح من دون البحث عن مكاسب شخصية أو حماية من دوائر النفوذ.

الألقاب لا تعني الكثير

وحول الألقاب التي أطلقت عليها، ومنها “شمس الأدب العربي” و”أيقونة الأدب” و”سيدة القصة القصيرة”، قالت شعلان إنها تقدر أصحاب هذه التسميات ومن يؤمنون بها، لكنها لا تعتبر الألقاب ذات أهمية كبيرة.

وأكدت أن الأهم بالنسبة إليها هو استمرار العطاء والإبداع، وأن تكون جديرة بهذه الأوصاف من خلال العمل والإنتاج الأدبي، وليس من خلال التفاخر بها.

وأضافت أن كثرة الألقاب في المشهد الثقافي لا تعني بالضرورة قيمتها، خصوصا في زمن ترى أنه أصبح مليئا بالألقاب المزيفة.

قراءة مختلفة لمقولة محمد الماغوط

وعن مقولة الكاتب السوري محمد الماغوط إن مأساة الكاتب العربي تتمثل في قضائه شبابه وكهولته وهو “يقفز لاهثا”، ترى شعلان أن اللهاث ليس حالة خاصة بالكاتب أو بالمثقف.

وقالت إن الإنسان عموما يمضي حياته سعيا وراء أفكاره ورغباته وحاجاته، وإن المشكلة لا تكمن في السعي نفسه، وإنما في الوعي الذي يرافقه والخيارات التي يتخذها الإنسان أثناء هذه الرحلة.

وبالنسبة إليها، فإن التوقف الكامل عن السعي قد يتحول في كثير من الحالات إلى موت فكري وجمود وتخلف، ولذلك فإن المهم هو أن يكون اللهاث موجها بوعي ومعنى.

“وأخيرا السماء صافية”.. خيال علمي متفائل

وتحدثت شعلان عن قصتها الطويلة “وأخيرا السماء صافية”، التي رُشحت بفضلها لجائزة في أدب الخيال العلمي من مؤسسة “روساتوم” الروسية، بوصفها أول أديبة عربية تصل إلى هذا الترشيح.

وأوضحت أن العمل ينتمي إلى الخيال العلمي، لكنه يحمل رؤية تفاؤلية للمستقبل، ويستند إلى استشراف تطور الإنسان والعلم والحضارة اعتمادا على المعطيات العلمية والتكنولوجية الحالية.

وتقول إن العمل لا يقوم على الفانتازيا المنفصلة عن الواقع العلمي، وإنما يحاول تصور مستقبل ممكن للعالم التكنولوجي إذا سارت التطورات وفقا لمسارات إيجابية، بعيدا عن توظيف التقدم العلمي لخدمة الأطماع الشخصية.

الأدب وحده لا يكفي لصناعة السردية

وترى شعلان أن الأدب والإعلام يشكلان ركيزتين أساسيتين في صناعة السرديات التي يمكن أن تؤثر في تشكيل الوعي والتاريخ، لكنها تؤكد في المقابل أن القوة الثقافية وحدها لا تكفي عندما يتعلق الأمر بالصراعات الكبرى.

وفي سياق القضية الفلسطينية، قالت إن الأدب يمكن أن يؤدي دورا مهما في مواجهة السرديات المضادة، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى امتلاك قوة مادية وعسكرية قادرة على حماية الحقوق والدفاع عنها.

وانتقدت ما اعتبرته محاولة لتسكين الأزمات من خلال الأدب والكلمات فقط، معتبرة أن الكلمة من دون قوة تحميها تظل محدودة التأثير في مواجهة السلاح.

لماذا غاب المثقف الحر؟

وحول أسباب عدم ظهور المثقف الحر الذي تنتظره الجماهير، قدمت شعلان تفسيرا قاسيا للمشهد العربي، تحدثت فيه عن تراجع الوعي، والقمع السياسي، والظروف المعيشية الصعبة، والاستكانة الاجتماعية.

وترى أن اجتماع هذه العوامل أدى إلى إنتاج مجتمعات كبيرة من حيث العدد، لكنها محدودة التأثير والقدرة على فرض إرادتها أو الدفاع عن كرامتها وحقوقها.

وتعتقد أن المثقف لا يستطيع أن يكون حرا في بيئة اجتماعية وسياسية لا تسمح بحرية التفكير والتعبير، لكنها في الوقت نفسه تحمل المثقفين جزءا من المسؤولية بسبب انتشار الانتهازية والبحث عن المصالح الشخصية.

“النقد كائن طفيلي”

وفي واحدة من أكثر مواقفها حدة، وصفت شعلان النقد الأدبي بأنه “كائن طفيلي” يعتاش على النص الإبداعي، رافضة القول إن النقاد يمتلكون سلطة حقيقية على صناعة الأدب أو ضمان استمراره.

وترى أن النص الجيد يستطيع أن يفرض نفسه ويستمر إذا امتلك عناصر القوة والإبداع، بغض النظر عن موقف النقاد منه.

وبحسب رؤيتها، فإن النقد يمثل نشاطا معرفيا واكتشافيا يمارسه الناقد لفهم العمل الأدبي وتحليله، لكنه لا يصنع جودة النص ولا يضمن بقاءه.

النظرية النقدية لا تصنع الأدب

ورغم عملها الأكاديمي وتدريسها الأدب الحديث والنقد، أكدت شعلان أنها لا تسمح للنظريات النقدية بأن تتحول إلى قيود على كتابتها الإبداعية.

وتقول إن النظرية النقدية تأتي بعد العمل الأدبي لتفسيره وتحليله، وليس لإنشائه، ولذلك فإن المبدع لا ينبغي أن يكتب وفق قوالب نظرية محددة.

وترى أن الكاتب الذي يجعل نظريات النقد أساسا لصناعة أعماله قد يتحول إلى كاتب متصنع، ينظر إلى الأدب باعتباره منتجا يستجيب لمتطلبات الجمهور بدلا من أن يكون تعبيرا حرا عن رؤيته وأفكاره.

“أَعْشَقُني” والهرب من التابوهات

وعن روايتها “أَعْشَقُني”، التي أثارت جدلا لدى بعض النقاد، وما إذا كان توظيف الفانتازيا والخيال العلمي يمثل هروبا من مواجهة التابوهات العربية، قالت شعلان إن الأدب يلجأ في كثير من الأحيان إلى وسائل غير مباشرة للتعامل مع الموضوعات المحظورة والقوى الضاغطة.

وترى أن للأديب الحق في اختيار الأداة التي تناسبه للتعبير عما يريد، سواء من خلال الواقعية أو الرمز أو الخيال العلمي أو الفانتازيا، بينما يبقى تفسير النص مفتوحا أمام القارئ وفقا لوعيه وحساسيته وتجربته.

وبهذا المعنى، لا ترى شعلان أن الابتعاد عن المواجهة المباشرة يعني بالضرورة الهروب، بل قد يكون وسيلة فنية أكثر قدرة على تجاوز القيود المفروضة على الكاتب.

مخطوطات تنتظر النشر

وفي ختام الحوار، كشفت شعلان أن لديها عددا كبيرا من المخطوطات التي لم تنشر بعد، مؤكدة أنها تنتظر الوقت المناسب لإخراجها إلى القراء.

وقالت إن هذه الأعمال لا تزال حبيسة الأدراج إلى حين اختيار الظروف الملائمة لنشرها وإطلاقها في الحياة الثقافية، ما يشير إلى أن تجربتها الأدبية لم تصل بعد إلى مرحلة التوقف، وأن لديها مشروعات جديدة تنتظر دورها في النشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى