الفروسية في تونس.. تراث عريق يواجه غلاء التربية وتراجع الدعم

بين وقع حوافر الخيول على ساحات التدريب الترابية وهدير الرياح التي تتسلل بين المرابط، يواصل الفارس الصادق اليفرني تدريباته اليومية برفقة حصانه، في مشهد يعكس ارتباطا عميقا بفن الفروسية الذي توارثته عائلته عبر أجيال.
يربت اليفرني على عنق حصانه، ثم يعطيه إشارة مألوفة لينطلق في حركات متناسقة، يرفع خلالها قائمتيه الأماميتين ويدور حول فارسه بانسجام، في استعراض يحتاج إلى تدريب مستمر ودقيق.
ولا يشهد هذا التدريب جمهورا أو تصفيقا، فهو جزء من المران اليومي الذي يحرص اليفرني عليه للحفاظ على جاهزية حصانه للعروض التقليدية.
ويقول إن الفروسية بالنسبة إليه تتجاوز حدود الهواية، فهي إرث عائلي وثقافي توارثته الأجيال، لكنه يواجه اليوم تحديات متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف تربية الخيول وتراجع الدعم الموجه إلى هذا القطاع.
الفروسية جزء من الهوية المحلية
لا تقتصر الفروسية في تونس على ركوب الخيل أو تقديم عروض استعراضية، بل ترتبط بتاريخ اجتماعي وثقافي طويل، إذ حافظت عليها عائلات تونسية جيلا بعد جيل باعتبارها أحد مكونات الهوية المحلية.
ويؤكد الفارس فتحي اليفرني أن الحفاظ على هذا الموروث أصبح أكثر كلفة من أي وقت مضى، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف والأدوية والرعاية البيطرية، فضلا عن تكلفة مستلزمات الخيل، مثل السروج والصفائح وغيرها.
ويشير إلى أن عددا من المربين اضطروا إلى بيع خيولهم بعدما أصبحت تكاليف تربيتها تفوق إمكاناتهم المالية، معتبرا أن هذا التراث، رغم حضوره في المهرجانات والأعراس والمناسبات الشعبية، لا يحصل على الدعم الكافي.
وتعود جذور الخيول البربرية في تونس، وفقا للمؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل، إلى أكثر من ألف سنة قبل الميلاد، عندما استخدمتها قبائل شمال أفريقيا في مراحل مختلفة من التاريخ.
كما ارتبطت الخيول بتاريخ المنطقة خلال الحقبة القرطاجية، ثم تأثرت لاحقا بدخول الخيول العربية مع الفتوحات الإسلامية، لتتشكل عبر قرون هوية فروسية تونسية تجمع بين موروثات متعددة.
عروض تقليدية بتكلفة مرتفعة
لا تزال الخيول حاضرة في الأعراس والمهرجانات الشعبية التونسية، حيث يقدم الفرسان عروضا ترتبط باللباس التقليدي والحركات الاستعراضية التي تحتاج إلى تدريب طويل للحصان والفارس معا.
لكن العائد المالي من هذه العروض غالبا ما يكون محدودا، ولا يتجاوز نحو 150 دينارا تونسيا، أي قرابة 50 دولارا، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء صغير من تكاليف تربية الحصان وتجهيزه.
ويقدر الصادق اليفرني تكلفة رعاية الحصان الواحد بما يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف دينار سنويا، أي نحو ألف إلى 1700 دولار، من دون احتساب الأدوية والرعاية البيطرية والصفائح وغيرها من المصاريف.
وفي ظل تراجع الطلب على عروض الفروسية، يجد المربون أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على إرث ثقافي مكلف ومحاولة تأمين الموارد اللازمة لاستمراره.
تربية الخيول الرياضية أكثر كلفة
ولا تقتصر الأزمة على الفروسية التقليدية، إذ تشمل أيضا الخيول المخصصة للرياضة والسباقات والسياحة الفروسية، وهي مجالات تتطلب مستوى أعلى من الرعاية والتدريب والتغذية.
ويشرح الطبيب البيطري المتخصص في طب الخيول أمين الرقيعي أن احتياجات الحصان تختلف بحسب الغرض من تربيته واستخدامه، فالخيول المخصصة للعروض التراثية تختلف متطلباتها عن تلك المستخدمة في سباقات الخيل أو القفز على الحواجز أو مسابقات القدرة والتحمل.
وتحتاج الخيول الرياضية إلى أعلاف ومكملات غذائية خاصة، فضلا عن متابعة بيطرية منتظمة وبرامج تدريب مستمرة، وهو ما يجعل تكلفتها أعلى بشكل واضح من الخيول المخصصة للترفيه أو العروض التقليدية.
ويرى الرقيعي أن قطاع الخيل في تونس يشهد منذ تسعينيات القرن الماضي تراجعا تدريجيا، في ظل تقلص دور الدولة وانخفاض نشاط سباقات الخيل، إلى جانب ضعف الدعم الموجه للأعلاف والحوافز، الأمر الذي دفع عددا من المربين إلى التخلي عن نشاطهم.
الأعلاف تثقل كاهل المربين
تعد تكلفة الأعلاف من أكبر التحديات التي تواجه أصحاب الخيول، إذ يتراوح سعر كيس العلف المركب بين 35 و50 دينارا، بينما يبلغ سعر قنطار الشعير نحو 50 دينارا.
ولا تتوقف المصاريف عند الغذاء، إذ يحتاج الحصان إلى أدوية ومكملات غذائية ورعاية بيطرية دورية للحفاظ على صحته وقدرته على التدريب والمشاركة في العروض أو المنافسات.
وتقدر المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل عدد الخيول الموجودة في تونس بنحو 26 ألف رأس، بينها قرابة 20 ألفا من الخيول العربية البربرية والبربرية، وما بين 5 آلاف و6 آلاف من الخيول العربية الأصيلة، إلى جانب نحو ألف حصان من السلالة الإنجليزية وعدد من السلالات المحلية النادرة.
35 عاما من الشغف والتحديات
يعيش محمد أنور الزكري بدوره تجربة طويلة مع تربية الخيول العربية الأصيلة، بعدما أمضى أكثر من 35 عاما في هذا المجال.
ويقول إن تربية الخيل تقوم في الأساس على الشغف، لكنها تحولت إلى نشاط مرهق ماديا بسبب ارتفاع التكاليف وتراجع الدعم.
ويحتاج الحصان العربي، بحسب الزكري، إلى رعاية يومية دقيقة، وتغذية ملائمة، فضلا عن وقت طويل للتدريب والعناية. غير أن غياب الدعم العمومي لمختلف مجالات الفروسية، من السباقات إلى القفز والتربية، جعل استمرار المربين أكثر صعوبة.
وتتفاوت أسعار الخيول العربية في تونس بشكل كبير بحسب العمر والنسب ومستوى التدريب، إذ تبدأ أسعار بعض المهرات من نحو ألفي دينار، في حين يمكن أن تتجاوز قيمة الخيول المشاركة في البطولات 50 ألف دينار، أي نحو 17 ألف دولار.
ويعكس هذا التفاوت طبيعة القطاع الذي يجمع بين الهواية والاستثمار، فالحصان قد يمثل بالنسبة إلى صاحبه جزءا من تراث عائلي، لكنه في الوقت نفسه أصل مالي يحتاج إلى إنفاق مستمر للحفاظ على قيمته.
مخاوف من تراجع سباقات الخيل
وتزداد الضغوط على قطاع الفروسية الرياضية، وسط حالة من الاستياء بين العاملين فيه بسبب ما يعتبرونه تراجعا متواصلا في وضع سباقات الخيل.
ويقول منجي كرعود، رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالخيول البربرية، إن العاملين في القطاع يعيشون حالة من «الغضب المتزايد» نتيجة استمرار تدهور وضع سباقات الخيل.
وبينما تواصل العائلات والفرسان والمربون التمسك بالخيل باعتباره جزءا من الهوية والتراث التونسي، تبدو استمرارية هذا الموروث مرتبطة بمدى القدرة على معالجة أعبائه الاقتصادية، وتوفير الدعم اللازم للمربين، وإنعاش الرياضات الفروسية والسياحة المرتبطة بها.
فالفروسية في تونس لا تمثل مجرد علاقة بين فارس وحصان، وإنما تختزل ذاكرة ثقافية عمرها قرون، غير أن الحفاظ عليها يتطلب اليوم أكثر من الشغف وحده.





