ثقافة

الشيخ عبد الرحمن بنموسى: أيقونة التلاوة المغربية الأصيلة

لا يكتمل المشهد الروحاني في رمضان بالمغرب دون صوت الشيخ عبد الرحمن بنموسى، أحد أبرز رواد القراءة المغربية الأصيلة، الذي أصبح رمزاً مرتبطاً بوجدان المغاربة منذ منتصف القرن العشرين.

النشأة والحفظ المبكر

ولد الشيخ بنموسى في 28 أغسطس/آب 1908 بمدينة سلا ضواحي الرباط، في بيت علم وصلاح، وكان والده الشيخ أحمد بنموسى من علماء المدينة. بعد وفاة والده وهو في الثالثة من عمره، تولت والدته رعايته وتشجيعه على حفظ القرآن الكريم، حيث التحق بالمسيد في سن السادسة، وأتم حفظ القرآن كاملاً في سن الرابعة عشرة، متقناً متجاوزاً التوقعات.

تلقى بعد ذلك دروساً في العلوم الدينية والنحو والفقه على يد كبار علماء سلا مثل الشيخ أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي، وهو ما ساعده على التعمق في علوم القرآن والتجويد.

فن السماع والموسيقى الأندلسية

إلى جانب القرآن، كان بنموسى مولعاً بفن السماع والموسيقى الأندلسية، حيث أسس عام 1958 جمعية هواة الموسيقى الأندلسية مع شخصيات وطنية وفكرية بارزة، من بينهم علال الفاسي والحاج أحمد بلافريج.

التميز في الأداء القرآني

اشتهر بنموسى بقراءته على رواية ورش عن نافع، والتزامه بـ”الوقف الهبطي الصماتي”، محافظاً بذلك على خصوصيات القراءة المغربية الأصيلة. كما تفنن في مقام رمل الماية الأندلسي، مما أكسب تلاوته نكهة مغربية فريدة وجعل صوته قبساً من السماء، كما وصفه العديد من محبي التلاوة.

ثقة الملك والجمهور

نال تقدير الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، حيث اختاره الملك محمد الخامس لتلاوة القرآن خلال صلاة التراويح، وكلفه بتدريس الأمراء، بما فيهم ولي العهد الأمير الحسن والأمير محمد.

برز أكثر عند إذاعته عبر راديو المغرب عام 1940، ثم على شاشة التلفاز في الستينيات، حيث أصبح صوته مرتبطاً بالهوية القرآنية المغربية. كما سجل مصحفاً مرتلاً برواية ورش مع تفسير العلامة محمد المكي الناصري، استمر بثه عبر الإذاعة المغربية حتى اليوم.

إرث خالد

وصفت شخصية الشيخ بنموسى بـ”العطاء والخلق والاتزان”، حيث جمع بين الأداء الصوتي الراقي والخُلق الجم، وكان قدوة في التواضع والوسطية. كما نقل إرث والده الصوتي إلى أولاده، ومن بينهم محمد بنموسى ومصطفى بنموسى، اللذين ساروا على نهجه في فن التلاوة.

توفي الشيخ عبد الرحمن بنموسى في 24 فبراير/شباط 1997، وشارك في جنازته الأمير مولاي رشيد وعدد كبير من المواطنين، لكنه ترك إرثاً مستمراً، إذ ما زال صوته يتردد في البيوت، والإذاعات، والتلفزيونات، ويستمع إليه الملايين كل يوم، مؤسِّساً مدرسة متميزة للقراءة المغربية الأصيلة.

صوت عبد الرحمن بنموسى لم يكن مجرد تلاوة، بل تجربة روحانية متجذرة في قلب الثقافة المغربية، تجمع بين العلم، الفن، والإيمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى