“معلّق في المسافة بين اسمين”: يوميات عبد الله الخطيب وكتابة الترحال الفلسطيني تحت الحواجز

عرف أدب الترحال، برًا وبحرًا، أشكالًا مبكرة من التدوين اليومي لدى البحّارة والمغامرين، حيث ظهرت سجلات شبيهة بالدفاتر المشدودة بالحبال لتوثيق الرحلات لحظة بلحظة. ضمن هذا الامتداد التاريخي، تندرج يوميات الكاتب الفلسطيني الكندي عبد الله الخطيب، في عمله “معلّق: في المسافة بين اسمين”، بوصفها إعادة تشكيل حديثة لفعل الرحلة، لكنها ليست رحلة اكتشاف جغرافي، بل رحلة عودة مشروطة ومقيدة إلى وطن مسلوب.
لا يكتب الخطيب عن سفر اعتيادي، بل عن عبور سياسي شديد التعقيد، حيث تتحول العودة إلى فلسطين إلى تجربة عبثية، يُضطر فيها الكاتب إلى الدخول بجواز سفر كندي، كأن الهوية الوطنية الأصلية لم تعد كافية للمرور إلى أرضها. هذا التوتر بين الانتماء والمنع يشكل العمود الفقري للنص، ويمنح اليوميات بعدها السياسي والوجودي في آن واحد.
منذ لحظة الدخول الأولى عبر المعابر، تتخذ الرحلة طابعًا من “أدب الموانع”، حيث يصبح الجسد ذاته موضوعًا للتفتيش والإخضاع، لا مجرد وسيلة عبور. ويحوّل الخطيب هذه التجربة إلى مادة سردية تقوم على التوثيق الدقيق لزمن يومي مكثف، يبدأ صباحًا ولا ينتهي إلا في ساعات الليل المتأخرة، ما يمنح النص إيقاعًا ضاغطًا يشبه حركة الحواجز نفسها.
تقوم بنية اليوميات على تداخل واضح بين التسجيل اللحظي (اليوميات) والتأمل اللاحق (المذكرات)، ما يسمح للنص بأن يتحرك بين الحاضر الخام والذاكرة الممتدة. هذا التداخل لا يهدف إلى الزخرفة السردية بقدر ما يعكس طبيعة التجربة نفسها: حاضر مضغوط بالسياسة، وماضٍ يستدعى باستمرار لإعادة تفسيره.
كما يعتمد الخطيب على نظام عتبات ثقافية، إذ يفتتح مقاطع يومياته بأغانٍ فلسطينية أو عربية أو نصوص شعرية، خصوصًا لمحمود درويش وتوفيق زياد، لتصبح هذه الاقتباسات أشبه بمفاتيح وجدانية تمهّد للعبور من التجربة الشخصية إلى الذاكرة الجمعية. هنا تتحول الأغنية إلى وسيط بين الفرد والجماعة، وبين السيرة الذاتية والسرد الوطني.
وتكتسب أماكن مثل القدس وبيت لحم ونابلس وحيفا طابعًا مزدوجًا في النص: فهي مواقع جغرافية من جهة، لكنها أيضًا نقاط ذاكرة مشحونة بالحنين والمراقبة والرقابة. في هذا السياق، تتحول “حوش الخطيب” إلى مساحة استرجاع طفولي، تعيد تشكيل العلاقة بين الكاتب وماضيه، وتفتح مسارًا سرديًا نحو الهوية الممزقة بين الداخل والمنفى.
في المقابل، لا يغفل النص البعد الثقافي، إذ يلتقي الكاتب بعدد من المثقفين الفلسطينيين، وتتحول الرحلة إلى شبكة وصل بين الداخل والخارج، وكأن الكتابة نفسها محاولة لترميم جغرافيا ثقافية مقطوعة بفعل التهجير والانقسام.
وفي خلفية هذا البناء السردي، تظل المفارقة المركزية حاضرة: الفلسطيني يدخل أرضه كسائح أجنبي، ويكتب عنها كمن يحاول استعادتها نصيًا. هذه المفارقة تمنح اليوميات بعدها السياسي العميق، حيث يصبح التدوين فعل مقاومة رمزية، ومحاولة لتثبيت الوجود في مواجهة النفي.
تنتهي الرحلة بعودة إلى المنفى الكندي، لكن النهاية لا تحمل إغلاقًا بقدر ما تترك أثرًا مفتوحًا: شعور بأن جزءًا من الذات بقي في المكان الذي لم يُسمح له بالاستقرار فيه. هكذا يتحول النص إلى شهادة على علاقة غير مكتملة بين الإنسان ومكانه، حيث لا تُقاس العودة بالوصول الجغرافي فقط، بل بإمكانية استعادة المعنى.





