الذكاء الاصطناعي والأمن البيولوجي.. هل يفتح بابا لتهديدات غير مسبوقة؟

تتزايد في الأوساط العلمية والتحذيرية النقاشات حول المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، والتي لم تعد تقتصر على تهديد الوظائف أو الأمن السيبراني، بل امتدت إلى احتمال تأثيره المباشر في المجال البيولوجي وقدرته على المساهمة في تصميم فيروسات أو سموم جديدة.
ووفق تقرير نشرته مجلة Nature العلمية، فإن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي باتت تمتلك قدرة متقدمة على تحليل البروتينات والتنبؤ بتراكيبها، وهو ما يفتح الباب أمام استخدامها في تصميم جزيئات بيولوجية معقدة، بما في ذلك مركبات قد تكون ضارة أو غير معروفة للبشر.
ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه المجال العلمي تقدما كبيرا في تقنيات التنبؤ بالبنية الجزيئية، وهو ما تجسد في أنظمة مثل تلك التي طورتها DeepMind التابعة لشركة Google، والتي ساهمت في فهم أعمق للبروتينات وحصلت على اعترافات علمية بارزة.
سموم طبيعية تتحول إلى نموذج للبحث
يشير التقرير إلى “السموم المخروطية” التي تنتجها بعض الرخويات البحرية، وهي مركبات شديدة التعقيد بعضها شديد السمية ويؤثر في الجهاز العصبي دون وجود ترياق فعال، بينما يستخدم بعضها الآخر في تطوير أدوية متقدمة.
وتخضع الأبحاث المتعلقة بهذه السموم في عدد من الدول لقيود تنظيمية صارمة بسبب حساسيتها البيولوجية العالية. وفي هذا السياق، أثار إعلان بحثي في 2024 عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم نماذج لهذه السموم جدلا واسعا داخل الأوساط العلمية والأمنية، وسط تحذيرات من إمكان إساءة استخدام مثل هذه التقنيات.
ورغم ذلك، يرى باحثون أن تحويل هذه القدرات إلى تهديد فعلي لا يزال معقدا، نظرا لاعتماد إنتاج السموم أو العوامل البيولوجية المتقدمة على بنية مخبرية عالية التعقيد وليست مجرد تصميم نظري.
مخاوف أمن بيولوجي متصاعدة
يطرح خبراء الأمن البيولوجي سيناريوهين رئيسيين للمخاطر المحتملة. الأول يتمثل في إمكانية استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي من قبل أفراد محدودي الخبرة لتصميم عوامل بيولوجية خطرة باستخدام موارد بسيطة نسبيا. والثاني يتعلق بإمكانية استخدام دول أو جهات منظمة لقدرات متقدمة لإنتاج تهديدات أكثر تعقيدا ودقة.
كما يشير مختصون في القانون والأمن البيولوجي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكتفي بتوليد أفكار نظرية، بل يمكنه المساعدة في التنبؤ بتطور الفيروسات أو تعديل خصائصها، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود البحث العلمي وأطره الأخلاقية.
بين البحث العلمي والمخاطر المحتملة
في عام 2025، أشار تقرير علمي إلى نجاح تجارب مخبرية أولية في بناء فيروسات بمساعدة نماذج ذكاء اصطناعي، حيث أظهرت نسبة محدودة من هذه النماذج قدرة على التفاعل مع بكتيريا “E. coli” في بيئات مختبرية.
ورغم أن نسبة النجاح بقيت منخفضة، فإن مجرد الوصول إلى هذا المستوى من التوليد البيولوجي الحاسوبي أثار جدلا واسعا، خاصة مع التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة.
هذا التطور دفع عددا من العلماء من جامعات ومراكز بحثية بارزة إلى الدعوة لوضع قيود على استخدام البيانات البيولوجية الحساسة في تدريب النماذج، بهدف تقليل احتمالات إساءة الاستخدام.
كما اقترح آخرون توجها موازيا يقوم على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي دفاعية، تعمل على رصد التهديدات البيولوجية مبكرا وتطوير أدوات مضادة لها، في إطار ما يمكن اعتباره سباقا بين قدرات الهجوم والدفاع داخل المجال الحيوي الرقمي.
وبين التفاؤل العلمي والتحذير الأمني، يبقى السؤال مفتوحا حول كيفية ضبط هذا التقدم السريع بحيث يظل أداة لتعزيز الصحة والبحث العلمي، دون أن يتحول إلى مصدر تهديد غير متوقع.





