اقتصاد

مؤشر «بيغ ماك».. كيف تحولت شطيرة إلى مقياس عالمي لقوة العملات؟

بعد أربعة عقود تقريبا على ظهوره، تجاوز مؤشر «بيغ ماك» حدود الفكرة الطريفة التي طرحتها مجلة «الإيكونوميست» للمقارنة بين أسعار العملات، ليصبح أحد أشهر المؤشرات المستخدمة في الاقتصاد العالمي لقياس القوة الشرائية ورصد الفجوات بين القيمة السوقية للعملات وقيمتها الفعلية.

ويعود إطلاق المؤشر إلى عام 1986، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تشهد مخاوف بشأن الاختلالات الكبيرة في أسعار الصرف. ومع عودة قضايا تقييم العملات إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بالتزامن مع التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين واليابان وأوروبا، يستعيد المؤشر أهميته كأداة مبسطة لقراءة هذه الاختلالات.

وتقول «الإيكونوميست» إن المؤشر سيكمل عامه الأربعين في سبتمبر/أيلول المقبل، بعدما تحول من فكرة صحفية بسيطة إلى أداة تحظى باهتمام واسع في تحليل أسعار الصرف.

تعادل القوة الشرائية وراء فكرة المؤشر

يقوم «مؤشر بيغ ماك» على مفهوم اقتصادي يعرف باسم «تعادل القوة الشرائية»، وهو يفترض، بصورة مبسطة، أن السلع المتشابهة ينبغي أن تكون أسعارها متقاربة في مختلف الدول عند احتساب فروق أسعار الصرف.

وبما أن شطيرة «بيغ ماك» تُنتج وتباع بمواصفات متقاربة في عشرات الأسواق حول العالم، أصبحت هذه الوجبة وسيلة سهلة للمقارنة بين القوة الشرائية للعملات المختلفة، ومعرفة ما إذا كانت العملة تبدو أعلى أو أقل من قيمتها مقارنة بسعر الصرف الفعلي.

وتوضح المجلة أن 100 دولار في الولايات المتحدة تكفي حاليا لشراء نحو 16 شطيرة «بيغ ماك»، وهي قوة شرائية تعادل تقريبا 100 يورو أو 426 يوانا صينيا أو 8039 ينا يابانيا.

لكن عند استخدام أسعار الصرف الفعلية في الأسواق، فإن المبلغ نفسه يعادل نحو 87 يورو أو 677 يوانا أو أكثر من 16 ألف ين، وهو فارق يعكس حجم التباين بين القيمة التي تحددها أسواق الصرف والقوة الشرائية المحلية للعملات.

لماذا لا يمثل «بيغ ماك» اقتصادا كاملا؟

رغم الانتشار الواسع للمؤشر، فإنه لم يسلم من الانتقادات منذ إطلاقه. ويرى منتقدون أن الاعتماد على منتج واحد لا يمكن أن يقدم صورة دقيقة عن اقتصاد بأكمله أو عن القيمة الحقيقية لعملته.

كما أن سعر الشطيرة لا يتحدد فقط بتكاليف المكونات والسلع القابلة للتجارة الدولية، بل يتأثر أيضا بعوامل محلية مثل أجور العاملين والإيجارات وتكاليف العقارات والخدمات وسلاسل الإمداد.

وبالتالي، فإن ارتفاع سعر «بيغ ماك» في دولة ما لا يعني بالضرورة أن عملتها مقومة بأعلى من قيمتها، فقد يكون جزء من هذا السعر ناتجا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلية.

بساطة المؤشر تمنحه ميزة مهمة

ورغم هذه الملاحظات، ترى «الإيكونوميست» أن البدائل الأكثر تعقيدا لا تخلو هي الأخرى من المشكلات.

فبيانات تعادل القوة الشرائية التي يصدرها البنك الدولي أكثر شمولية، لكنها لا تُحدّث إلا مرة كل ثلاث سنوات، كما أنها تصدر بعد فترة زمنية طويلة، وتعتمد على عملية إحصائية ضخمة تجعل نتائجها أكثر تعقيدا وأقل سهولة في الفهم.

في المقابل، يتمتع «مؤشر بيغ ماك» بسرعة التحديث والبساطة وسهولة إجراء المقارنات بين الدول، فضلا عن إمكانية فهم نتائجه دون الحاجة إلى نماذج اقتصادية أو إحصائية معقدة.

وتشير المجلة إلى أن نتائج المؤشر تتقاطع بدرجة كبيرة مع بيانات البنك الدولي؛ فعند مقارنة تقييمات 54 اقتصادا مشتركا بين المؤشرين، اختلفت النتيجة في سبعة اقتصادات فقط بشأن ما إذا كانت العملة تبدو منخفضة القيمة أو مرتفعة القيمة.

شطيرة بأكثر من 60 مكونا

ولا تبدو «بيغ ماك» في الواقع منتجا بسيطا بالقدر الذي قد يوحي به استخدامها في المؤشر، إذ تضم أكثر من 60 مكونا مختلفا، فيما يعكس سعرها مجموعة واسعة من الظروف الاقتصادية المحلية.

فسعر الشطيرة يتأثر بتكاليف العمالة والإيجارات والعقارات والنقل وسلاسل الإمداد، إلى جانب أسعار المواد الداخلة في إنتاجها، وهو ما يمنح المؤشر قدرة على التقاط جانب من مستويات الأسعار في كل اقتصاد.

وبذلك، لا يعتمد المؤشر على مقارنة سعر قطعة غذائية فحسب، وإنما يستخدم المنتج باعتباره سلة مصغرة تعكس مجموعة من التكاليف الاقتصادية التي تختلف من بلد إلى آخر.

اليوان الصيني في قلب الجدل

اكتسبت نتائج مؤشر «بيغ ماك» أهمية إضافية في ظل الجدل المتواصل حول قيمة اليوان الصيني والسياسة التجارية لبكين.

فالمؤشر يواصل إظهار أن اليوان أقل من قيمته مقارنة بالقوة الشرائية المحلية، وهي نتيجة تتقاطع، بحسب «الإيكونوميست»، مع تقديرات لصندوق النقد الدولي أشارت في وقت سابق من العام إلى أن العملة الصينية تقل بنحو 16% عن المستوى الذي تبرره الأساسيات الاقتصادية.

وترى المجلة أن انخفاض قيمة اليوان يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية في الأسواق العالمية، وساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في تسجيل الصين فائضا قياسيا في تجارة السلع بلغ نحو 1.2 تريليون دولار خلال العام الماضي.

وأثارت هذه الاختلالات انتقادات من شركاء الصين التجاريين، وسط مخاوف من انعكاس الفوائض التجارية الصينية على الصناعات في اقتصادات أخرى، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة.

جدل حول الدولار واتفاق «بلازا» جديد

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وصف هذه الاختلالات بأنها «لا تُحتمل»، محذرا من تأثيرها على الصناعة الأوروبية، في حين كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أبرز المنتقدين لما يعتبره انخفاضا في قيمة بعض العملات الآسيوية، واتهم الصين واليابان مرارا بالسعي إلى دعم صادراتهما عبر إبقاء عملتيهما عند مستويات منخفضة.

ومع استمرار النقاش، عادت إلى الأسواق تكهنات بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق دولي جديد على غرار «اتفاق بلازا» الذي أُبرم في ثمانينيات القرن الماضي وأسهم في إضعاف الدولار أمام عملات رئيسية.

لكن «الإيكونوميست» ترى أن تكرار تجربة اتفاق بلازا في الظروف الاقتصادية الحالية يبدو أمرا غير مرجح، في ظل اختلاف طبيعة الاقتصاد العالمي وتعدد المصالح بين القوى الاقتصادية الكبرى.

هل يحتاج اليوان إلى ارتفاع سعره؟

وترى المجلة أن معالجة اختلال قيمة اليوان لا تتطلب بالضرورة رفع سعر صرف العملة بشكل مباشر، لأن رفع قيمة اليوان بسرعة قد يفرض ضغوطا على الاقتصاد الصيني ويؤثر في النمو، كما قد يزيد من حدة الضغوط الانكماشية.

وبدلا من ذلك، يمكن تحقيق نتيجة مشابهة من خلال تعزيز الطلب والنشاط الاقتصادي داخل الصين، بما يؤدي إلى ارتفاع الأجور والأسعار بوتيرة أسرع.

وفي هذه الحالة، يمكن أن ترتفع القيمة الحقيقية للعملة تدريجيا حتى في حال بقاء سعر صرف اليوان الاسمي مستقرا، وهو ما يجعل معالجة الاختلالات الاقتصادية عبر السياسات الداخلية خيارا مختلفا عن اللجوء المباشر إلى تغيير سعر الصرف.

وبعد أربعة عقود من إطلاقه، يواصل «مؤشر بيغ ماك» أداء دوره كأداة مبسطة لفهم واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في الاقتصاد العالمي: الفارق بين ما تساويه العملة في أسواق الصرف وما تستطيع شراءه فعليا داخل الاقتصاد المحلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى