اقتصاد

اقتصاد نيجيريا بين مؤشرات التحسن وضغوط المعيشة مع اقتراب انتخابات 2027

قبل أقل من أسبوعين على انطلاق الحملات الانتخابية الرئاسية في نيجيريا، تتزايد الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية التي تستند إليها الحكومة للدفاع عن سياساتها، وبين الأوضاع المعيشية الصعبة التي يواجهها ملايين المواطنين، في وقت يستعد فيه الرئيس بولا أحمد تينوبو لخوض سباق انتخابي جديد.

وتجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تؤكد أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها خلال السنوات الثلاث الماضية بدأت في تحقيق نتائج إيجابية، بينما تشير مؤشرات الفقر وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى استمرار الضغوط على الأسر النيجيرية.

إصلاحات اقتصادية ثقيلة الكلفة

منذ تولي تينوبو السلطة، مضت حكومته في تنفيذ حزمة من الإصلاحات شملت إلغاء دعم الوقود، وخفض قيمة النايرا، وتقليص دعم الكهرباء، وهي إجراءات قالت الحكومة إنها كانت ضرورية لإنقاذ الاقتصاد من أزمة مالية متفاقمة.

وترى السلطات النيجيرية أن هذه القرارات ستساعد على إعادة التوازن إلى المالية العامة وجذب الاستثمارات وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة على المدى الطويل، حتى وإن كانت آثارها المباشرة مؤلمة بالنسبة للمواطنين.

لكن انعكاسات تلك الإصلاحات أصبحت واضحة في تكاليف الحياة اليومية، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية والنقل والطاقة بصورة كبيرة، ما جعل قطاعات واسعة من السكان تواجه صعوبة متزايدة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

أرز الجولوف يكشف حجم الغلاء

ومن أبرز المؤشرات التي تعكس ارتفاع تكاليف المعيشة في نيجيريا ما يعرف بـ”مؤشر الجولوف”، وهو مقياس اقتصادي أطلقته شركة أبحاث نيجيرية عام 2015 لمتابعة تطورات أسعار الغذاء من خلال حساب تكلفة المكونات اللازمة لإعداد طبق أرز الجولوف، أحد أشهر الأطباق في نيجيريا وغرب أفريقيا.

وبحسب بيانات شركة “إس بي إم إنتليجنس”، ارتفع المتوسط الوطني لمؤشر الجولوف بنسبة 14.6% خلال عام حتى يونيو/حزيران 2026، ليصل إلى 29 ألفا و578 نايرا، أي نحو 21.71 دولارا.

وأصبحت تكلفة إعداد الطبق أكثر من ضعف ما كانت عليه عندما تولى تينوبو الحكم، في مؤشر على حجم الارتفاع الذي شهدته أسعار المواد الغذائية خلال السنوات الماضية.

كما ارتفعت أسعار البنزين بنحو ستة أضعاف منذ إلغاء الدعم، بالتزامن مع تراجع قيمة النايرا وارتفاع أسعار النفط عالميا، الأمر الذي انعكس على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار العديد من السلع والخدمات.

الفقر يضغط على ملايين النيجيريين

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر بقليل من نصف سكان نيجيريا كانوا يعيشون تحت خط الفقر العام الماضي، مقارنة بنحو 42% في عام 2022.

وفي يونيو/حزيران الماضي، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الإصلاحات الاقتصادية ساعدت في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم الاستقرار الاقتصادي، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى استمرار معدلات الفقر المرتفعة.

ووفقا لتقديرات الصندوق، يعيش نحو 63% من سكان نيجيريا، البالغ عددهم قرابة 200 مليون نسمة، في حالة فقر، بينما يواجه ملايين الأشخاص صعوبات مرتبطة بالأمن الغذائي.

وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام تحد كبير، إذ تحتاج إلى إقناع المواطنين بأن التحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية سينعكس في نهاية المطاف على قدرتهم الشرائية ومستويات معيشتهم.

تدفقات استثمارية تعزز رواية الحكومة

في المقابل، تستند الحكومة إلى مؤشرات أخرى للدفاع عن مسارها الاقتصادي، أبرزها تحسن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد.

وقدرت صحيفة “بزنس داي” النيجيرية أن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى نيجيريا وصلت إلى 23.3 مليار دولار بنهاية عام 2025، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد خلال ست سنوات.

وجاء هذا التحسن مدفوعا بعدة عوامل، من بينها الاستقرار النسبي للنايرا، وتراجع معدلات التضخم، إلى جانب العوائد المرتفعة التي توفرها أدوات الدخل الثابت للمستثمرين.

وتعتبر الحكومة أن هذه المؤشرات تعكس تحسن ثقة المستثمرين في الاقتصاد النيجيري، وأن الإصلاحات الصعبة بدأت في توفير أساس أكثر استقرارا للنمو خلال السنوات المقبلة.

استياء شعبي قبل الانتخابات

لكن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية لا تبدو كافية لتهدئة الاستياء الشعبي، إذ أظهر استطلاع أجرته شركة أبحاث نيجيرية في يونيو/حزيران الماضي أن نحو 80% من المشاركين يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ.

وينعكس هذا المزاج الشعبي على صورة المرشحين مع اقتراب انتخابات 2027، إذ أظهر الاستطلاع أن الرئيس تينوبو يدخل السباق بأضعف تقييم بين المرشحين، مع تفوق التقييمات السلبية له على الإيجابية بفارق 58.5 نقطة على المستوى الوطني.

في المقابل، كان بيتر أوبي المرشح الوحيد الذي تفوقت لديه التقييمات الإيجابية على السلبية، بفارق بلغ 58.3 نقطة.

ومع ذلك، ترى الجهة التي أجرت الاستطلاع أن المعارضة لا تزال تعاني من التشتت والانقسام، وهو ما قد يقلل من قدرتها على تحويل حالة الاستياء الشعبي إلى منافسة انتخابية فعالة للرئيس.

الحكومة تراهن على تحسن الاقتصاد

وتحاول الحكومة النيجيرية التأكيد على أن آثار الإصلاحات تحتاج إلى وقت حتى تظهر بصورة ملموسة على حياة المواطنين.

وقال وزير المالية تايو أويديلي في يوليو/تموز الماضي إن الحكومة تعتزم نشر مؤشرات جديدة لقياس مستويات الفقر والدخل وعدم المساواة، مؤكدا أن التضخم بدأ في التراجع وأن سوق الصرف أصبحت أكثر كفاءة.

لكنه أقر في الوقت نفسه بأن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة تحقيق نمو ملموس في حياة المواطنين، محذرا من أن الاقتصاد المستقر قد يظل راكدا إذا أدى الشعور بالرضا إلى توقف الإصلاحات.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يبدو أن قدرة تينوبو على إقناع الناخبين بأن الإصلاحات الاقتصادية ستؤدي فعلا إلى تحسين أوضاعهم المعيشية ستكون من أبرز العوامل التي ستحدد مستقبل السباق الرئاسي، في ظل تناقض واضح بين تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي واستمرار الضغوط اليومية على ملايين النيجيريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى