الحرب الروسية الأوكرانية تضرب الصناعة.. مصانع مدمرة واقتصاد تحت الضغط

لم تعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية محصورة في خطوط التماس والمواجهات العسكرية، بل امتدت إلى قلب النشاط الاقتصادي في البلدين، بعدما تحولت المصانع ومصافي النفط ومنشآت الطاقة والبنية التحتية إلى أهداف رئيسية في التصعيد المتبادل.
وبينما استهدفت روسيا خلال سنوات الحرب مدنا ومناطق صناعية أوكرانية، كثفت كييف بدورها هجماتها على مصافي النفط والمنشآت الصناعية والبنية التحتية الروسية، في محاولة لإضعاف الاقتصاد وتقليص قدرته على تمويل العمليات العسكرية.
وتبرز مدينة خاركيف شمال شرقي أوكرانيا باعتبارها نموذجا واضحا لحجم الخسائر التي لحقت بالقطاع الصناعي، في وقت تحاول فيه مناطق أخرى، مثل دنيبرو وزاباروجيا، الحفاظ على ما تبقى من القدرات الإنتاجية للبلاد.
خاركيف.. الصناعة تحت نيران الحرب
كانت خاركيف من أهم المراكز الصناعية في أوكرانيا قبل الحرب، وتضم قطاعات حيوية تشمل الصناعات الدفاعية والطائرات ومحركاتها والتوربينات والآلات الزراعية.
لكن القصف المتواصل أدى إلى تراجع كبير في النشاط الصناعي داخل المدينة، مع تعرض منشآت إنتاجية للدمار واضطرار شركات أخرى إلى تقليص عملياتها أو نقل جزء من مصانعها وعمالها إلى مناطق أكثر أمنا في غرب البلاد.
ويقول ألكسندر تيموف، صاحب أحد المصانع وعضو اتحاد المنتجين، إن المنشآت التي تمكنت من الاستمرار في العمل داخل المنطقة لا تنتج سوى ما بين 20 و30% من مستوياتها السابقة.
وأوضح أن الشركات أدركت منذ إدراج المنطقة الصناعية في خاركيف ضمن الأهداف الروسية أن استمرار العمل فيها سيحمل مخاطر كبيرة، ولذلك جرى نقل جزء من العمال والمنشآت إلى أقصى غرب البلاد، مع الإبقاء على نشاط محدود داخل المدينة.
دونباس.. خسارة قاعدة صناعية مهمة
يعد إقليم دونباس أحد أهم المراكز الصناعية في أوكرانيا، نظرا لما يمتلكه من احتياطيات الفحم والمعادن، إلى جانب عدد كبير من مصانع الصناعات الثقيلة.
وخلال الحرب، سيطرت روسيا على عدد من المناجم والمصانع الكبرى في المنطقة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قطاع الفحم الأوكراني.
وبعدما كانت أوكرانيا تعتمد على إنتاج الفحم وتصديره، اضطرت إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، في ظل فقدانها جزءا من مناطق الإنتاج الرئيسية.
ولم يتوقف أثر السيطرة على المنشآت عند حدود خسارة الإنتاج، إذ أعادت روسيا تشغيل بعض المصانع والمناجم الموجودة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، بينما فقدت كييف جزءا مهما من قاعدتها الصناعية التي كانت تمثل ركيزة للاقتصاد الوطني.
دنيبرو.. مركز صناعي بديل
ومع تراجع النشاط في عدد من المراكز الصناعية التقليدية، برزت مقاطعة دنيبرو بوصفها أحد أهم مراكز الثقل الصناعي التي لا تزال تعمل داخل أوكرانيا.
وتضم المنطقة منشآت تنتج الأنابيب المعدنية الضخمة وخطوط السكك الحديدية والآلات الثقيلة، إضافة إلى منتجات مرتبطة بالصناعات الدفاعية والصاروخية.
وتمنح هذه الأنشطة دنيبرو أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد الأوكراني، لكن استمرار الحرب يضع المنشآت أمام ضغوط متزايدة، خصوصا مع اتساع نطاق الهجمات التي تستهدف البنية التحتية ومرافق الطاقة وشبكات النقل.
زاباروجيا.. صناعة الحديد والصلب في مواجهة القصف
وتعد زاباروجيا من أبرز مراكز صناعة الحديد والصلب في أوكرانيا، ويبرز فيها مصنع «زاباروج ستال»، أحد أكبر مصانع الحديد والصلب في البلاد.
ويعمل المصنع في ظروف أمنية صعبة بسبب قربه من مناطق القتال، الأمر الذي أثر في قدرته الإنتاجية وأجبره على العمل بأقل من نصف مستوياته السابقة.
ولا تواجه المصانع الكبرى وحدها تداعيات الحرب، إذ تكافح الشركات الخاصة أيضا للحفاظ على عملياتها، وسط صعوبات مرتبطة بتأمين العمال والمواد الخام والطاقة والأسواق.
الحرب تمتد إلى الاقتصاد الروسي
في المقابل، لم تقتصر الضربات الأوكرانية على المنشآت العسكرية الروسية، بل توسعت لتشمل مصافي النفط والمجمعات الصناعية ومنشآت الطاقة والنقل.
وتسعى كييف من خلال هذه الهجمات إلى إلحاق خسائر مباشرة بالاقتصاد الروسي، ولا سيما القطاعات المرتبطة بالطاقة، باعتبارها مصدرا أساسيا للإيرادات التي تساعد موسكو على تمويل المجهود الحربي.
وبذلك تحولت المنشآت الاقتصادية إلى جزء أساسي من المعركة، إذ يحاول كل طرف التأثير في قدرة الطرف الآخر على الإنتاج والنقل وتوفير الطاقة والحفاظ على سلاسل الإمداد.
الأسواق تدفع ثمن التراجع الصناعي
لم يتوقف تأثير الحرب عند المصانع، بل امتد إلى الأسواق المحلية التي تعتمد على استمرار الإنتاج وحركة التجارة.
وفي سوق «باراباشوفا» الشهير في خاركيف، غادر عدد كبير من الباعة وأصحاب المحال، بينما اختار آخرون البقاء ومواصلة العمل رغم تراجع الحركة التجارية والمخاطر الأمنية.
وتعكس هذه الصورة جانبا آخر من الأزمة الاقتصادية، إذ إن تدمير المصانع أو تقليص إنتاجها يؤدي في النهاية إلى انخفاض فرص العمل، وتراجع دخول السكان، وضعف القدرة الشرائية، ثم تراجع النشاط التجاري.
وقالت إحدى البائعات إن ظروف الحياة أصبحت أكثر صعوبة، لكنها أشارت إلى أن العاملين في السوق لا يملكون خيارات كثيرة سوى الاستمرار في العمل رغم الأوضاع التي فرضتها الحرب.
اقتصاد أوكرانيا أمام اختبار طويل
تكشف التطورات في خاركيف ودونباس ودنيبرو وزاباروجيا حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الأوكراني، بعدما تسببت الحرب في تدمير منشآت صناعية وإغلاق مصانع ونقل أنشطة إنتاجية إلى مناطق بعيدة عن الجبهات.
ومع استمرار استهداف الطاقة والنقل والمصانع، لا تتعلق الخسائر الحالية فقط بحجم الإنتاج الذي فقدته أوكرانيا، وإنما أيضا بالقدرة على إعادة بناء قاعدة صناعية متكاملة بعد انتهاء الحرب.
وفي المقابل، فإن استهداف المنشآت الاقتصادية الروسية يفتح جبهة أخرى في الصراع، تقوم على محاولة إضعاف مصادر تمويل الحرب والضغط على القطاعات التي تعتمد عليها موسكو في الحفاظ على قدرتها الإنتاجية.
وهكذا أصبحت الصناعة والطاقة والبنية التحتية جزءا لا ينفصل عن المعركة العسكرية، بينما يدفع الاقتصاد والسكان والشركات ثمن حرب تتجاوز ساحات القتال لتعيد رسم الخريطة الاقتصادية للبلدين.





