إسقاط ميركاتور.. كيف غيّرت خريطة العالم أحجام القارات ورسّخت صورة جغرافية غير دقيقة؟

تتجه أفريقيا إلى الأمم المتحدة في محاولة لإعادة النظر في الصورة الجغرافية التي رسختها الخرائط التقليدية في وعي العالم، إذ تصوت الجمعية العامة على قرار ترعاه توغو وتدعمه الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، ويدعو إلى التخلي تدريجيا عن استخدام خريطة «ميركاتور» واعتماد إسقاط جغرافي أكثر دقة في تمثيل مساحات القارات.
ووضع الجغرافي الفلمنكي جيراردوس ميركاتور، الذي ينحدر من المنطقة التي أصبحت لاحقا جزءا من بلجيكا، خريطته عام 1569 بهدف أساسي هو تسهيل الملاحة البحرية. ومع مرور الوقت، تحولت إلى أحد أكثر الإسقاطات الجغرافية انتشارا، وأصبحت حاضرة في المدارس والمؤسسات الحكومية والخرائط الرقمية.
تشويه يتجاوز حدود الخريطة
تكمن المشكلة الرئيسية في إسقاط ميركاتور في أنه لا يحافظ على المساحات الحقيقية للقارات والدول، إذ يزداد التشويه كلما اقتربت المناطق من القطبين، بينما تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء بحجم أقل مما هي عليه في الواقع.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك غرينلاند، التي تبدو على الخرائط المبنية على إسقاط ميركاتور قريبة من أفريقيا من حيث المساحة، رغم أن مساحة القارة الأفريقية تفوق مساحة الجزيرة بنحو 14 مرة.
وترى توغو وحملة «صححوا الخرائط» أن القضية لا تتعلق بمجرد خطأ بصري في طريقة عرض الخرائط، وإنما بمشكلة أوسع تتصل بكيفية إدراك الناس لحجم الدول والقارات ومكانتها الجغرافية.
وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسيه إن النقاش بشأن الخريطة «علمي وليس سياسيا»، مشيرا إلى أن الحقائق الجغرافية واضحة، وأن الهدف يتمثل في تقديم صورة أكثر دقة لمساحات العالم.
«إيكوال إيرث» بديلا أكثر دقة
وتدفع الحملة باتجاه استخدام إسقاط «إيكوال إيرث»، الذي طوره فريق دولي من رسامي الخرائط عام 2018، باعتباره أكثر عدالة في تمثيل المساحات الفعلية للقارات والدول.
وكان الاتحاد الأفريقي قد صادق على الحملة في أغسطس/آب 2025، قبل أن يطلب من توغو قيادة التحرك داخل الأمم المتحدة.
وتستند الحملة إلى مقارنة بسيطة لتوضيح الفارق في تصور مساحة أفريقيا، إذ تشير إلى أن القارة تستطيع استيعاب مساحات الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك ومعظم دول أوروبا مجتمعة، مع بقاء مساحة إضافية داخل حدودها.
ويكشف هذا المثال مدى الاختلاف بين الصورة التي تقدمها بعض الخرائط التقليدية وبين الحجم الحقيقي للقارة الأفريقية على سطح الأرض.
هل الخرائط محايدة؟
لا تقتصر القضية على الدقة الرياضية للإسقاطات الجغرافية، إذ ترى صحيفة «إندبندنت» أن الخرائط يمكن أن تؤدي دورا في تشكيل السرد السياسي والبصري للعالم.
فالخطوط والألوان والأحجام التي تظهر بها الدول والقارات تؤثر في الطريقة التي يتخيل بها الناس الجغرافيا، وقد تمنح بعض المناطق حضورا بصريا أكبر من حجمها الحقيقي، في حين تظهر مناطق أخرى أصغر مما هي عليه فعليا.
ومن هنا ظهر مصطلح «الاستعمار الخرائطي» بين بعض الناشطين، في إشارة إلى الطريقة التي ارتبط بها تمثيل أفريقيا على الخرائط بتاريخ طويل من التصورات الغربية للقارة ومكانتها.
قرار أممي قد يفتح الباب للتغيير
ورغم أهمية التصويت في الجمعية العامة، فإن القرار الأممي لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير خرائط العالم بصورة فورية، خصوصا أنه غير ملزم، كما أن إنتاج الخرائط الرقمية والتعليمية لا يخضع لجهة دولية واحدة.
لكن اعتماد القرار قد يمنح الحملة زخما دوليا، ويفتح المجال أمام مراجعة الخرائط المستخدمة في المناهج التعليمية، إلى جانب تشجيع شركات التكنولوجيا ومطوري الخرائط الرقمية على إعادة النظر في الإسقاطات التي تقدمها للمستخدمين.
وبذلك قد يتحول النقاش من مجرد تصحيح لطريقة رسم القارات إلى مراجعة أوسع للطريقة التي يتعلم بها العالم جغرافيته، والصورة التي تشكلت عبر أجيال عن حجم القارات وموقعها ووزنها الجغرافي.





