«ما بعد الوحشية».. حميد دباشي يضع غزة في قلب سؤال الحضارة والعدالة

مع اقتراب الحرب على غزة من إكمال عامها الثالث، تفرض المأساة الفلسطينية نفسها بوصفها لحظة فاصلة لاختبار منظومة القيم التي طالما قدمها العالم الحديث باعتبارها مرجعية للأخلاق والعدالة وحقوق الإنسان. فمن قلب الدمار الهائل في القطاع، برزت أسئلة تتجاوز السياسة والحرب، لتطال أسس الفكر الإنساني نفسه، ومدى قدرة الخطاب الحضاري الغربي على الصمود أمام اختبار الواقع.
في هذا السياق يأتي كتاب «ما بعد الوحشية» للمفكر الإيراني حميد دباشي، الذي يتعامل مع غزة باعتبارها «نقطة الصفر» لتاريخ جديد يأتي بعد مرحلة يصفها بنهاية العالم القديم. ويقدم الكتاب قراءة نقدية حادة للحضارة الغربية وميراثها الفكري، محاولا تفكيك الأسس التي قامت عليها المركزية الأوروبية، وربطها بتاريخ طويل من الاستعمار والإمبريالية والهيمنة.
ويرى دباشي أن الدمار الذي حل بغزة لا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا أو في أحداث الحرب وحدها، بل يمثل، من وجهة نظره، لحظة كاشفة أظهرت التناقضات العميقة بين الخطاب الغربي حول الإنسانية والممارسات السياسية التي سمحت باستمرار المأساة الفلسطينية.
غزة بوصفها نقطة انطلاق معرفية جديدة
ينطلق دباشي من فكرة أساسية مفادها أن إعادة بناء العالم لا ينبغي أن تقتصر على إعادة إعمار المدن المدمرة، وإنما يجب أن تشمل أيضا إعادة النظر في المنظومات المعرفية والأخلاقية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة.
ومن تحت أنقاض غزة، يدعو المفكر الإيراني إلى تأسيس رؤية معرفية جديدة تنطلق من تجارب الشعوب التي واجهت الاستعمار والحروب والإقصاء، مع منح ما يسميه «الأغلبية العالمية» في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية دورا مركزيا في صياغة هذه الرؤية.
وبهذا المعنى، لا يتعامل دباشي مع فلسطين باعتبارها قضية هامشية داخل النظام الدولي، بل يجعلها مدخلا لفهم طبيعة هذا النظام نفسه، وما إذا كان قادرا على الاستمرار بالقواعد الأخلاقية والسياسية التي تأسس عليها.
ويرى أن اللحظة الفلسطينية تكشف الحاجة إلى التحرر من الوصاية الفكرية التي جعلت الفلسفة الغربية، في نظره، مرجعا عالميا وحيدا لتحديد مفاهيم العقلانية والحداثة والتقدم.
نقد المركزية الأوروبية
يضع كتاب «ما بعد الوحشية» مسألة المركزية الأوروبية في قلب تحليله، إذ يحاول دباشي إعادة قراءة عدد من الأفكار والتيارات الفلسفية الغربية من زاوية علاقتها بالتاريخ الاستعماري.
وبحسب أطروحته، فإن تاريخ الفلسفة الأوروبية لا يمكن فصله بالكامل عن السياقات السياسية والاجتماعية التي رافقت التوسع الاستعماري والإمبريالي على مدى قرون. ومن هنا، يرى أن بعض التصورات التي قدمت نفسها بوصفها أفكارا كونية حول الإنسان والحضارة حملت في داخلها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تصنيفات هرمية بين الشعوب والثقافات.
ولا يكتفي دباشي بانتقاد المواقف السياسية الغربية تجاه إسرائيل، بل يذهب إلى طرح أكثر جذرية، إذ يجادل بأن إسرائيل، في قراءته، ليست مجرد كيان حصل على دعم غربي، وإنما تمثل تجسيدا ماديا لبعض البنى الاستعمارية التي تشكلت في التاريخ الحديث.
ومن هذا المنظور، تصبح فلسطين بالنسبة إليه أكثر من قضية سياسية؛ فهي اختبار للنظام الفكري الذي أنتج مفاهيم الاستعمار والهيمنة، ثم قدم نفسه في الوقت ذاته بوصفه حاميا للقيم الإنسانية.
من «الغرب وإسرائيل» إلى «إسرائيل والغرب»
أحد المحاور الأكثر إثارة للجدل في طرح دباشي يتمثل في رفضه اختزال العلاقة بين الغرب وإسرائيل في مجرد دعم سياسي أو عسكري تقدمه الدول الغربية.
فبدلا من مقولة إن الغرب منح إسرائيل «ضوءا أخضر» لمواصلة الحرب، يدعو دباشي إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها، في تصوره الفكري، امتدادا ماديا لمنظومة استعمارية غربية أوسع.
ومن هنا تأتي ثنائيته الفكرية اللافتة: إذا كانت إسرائيل تمثل الغرب في صورته الاستعمارية، فإن فلسطين تمثل العالم الأوسع، أي الشعوب والمجتمعات التي وجدت نفسها على هامش النظام العالمي الذي صاغته القوى الاستعمارية الكبرى.
وفي هذه القراءة، لا تصبح فلسطين مجرد ضحية لتاريخ محدد، وإنما تتحول إلى مساحة لإعادة تخيل العالم من خارج المركز الغربي.
الشعر والخيال بعد الكارثة
لا يقتصر الكتاب على التحليل السياسي أو الفلسفي، بل يستعين دباشي بالأدب والشعر بوصفهما أدوات لفهم ما يحدث بعد الكارثة.
ويرى أن الشعوب التي عانت من الوحشية لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المؤسسات والمنازل، بل تحتاج أيضا إلى استعادة قدرتها على التخيل وصياغة مستقبل مختلف.
ولهذا يمنح الشعر والخيال مكانة خاصة في مشروعه، باعتبارهما وسيلتين للتحرر من القوالب الفكرية التي فرضتها القوى المهيمنة، ولبناء تصور جديد للإنسان والعالم.
وفي هذا الإطار، تصبح فلسطين بالنسبة إليه أرضا للخيال المتحرر، ومجالا يمكن من خلاله إنتاج معنى جديد للحرية والعدالة بعد مرحلة من العنف والدمار.
حميد دباشي.. امتداد لإدوارد سعيد
يعد حميد دباشي من أبرز الأسماء المرتبطة بالدراسات ما بعد الاستعمارية، ويشغل منصب أستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا.
ويرتبط مشروعه الفكري بصورة وثيقة بإرث المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، الذي كان من أبرز الأصوات النقدية التي أعادت دراسة علاقة المعرفة بالاستعمار، ولا سيما من خلال كتابه الشهير «الاستشراق».
وقدم دباشي خلال مسيرته عددا من المؤلفات التي تناولت قضايا الثقافة والسياسة والاستعمار والهوية، من بينها كتاب «عن إدوارد سعيد» و«نهاية وهمين».
كما حظي بتقدير عدد من الباحثين والمفكرين، ووصفته صحيفة «كرونيكل التعليم العالي» بأنه «منارة الدراسات الإيرانية»، بينما اعتبره المفكر الأميركي كورنيل ويست واحدا من أبرز الأصوات التي تدافع عن الحقيقة والعدالة في العصر الراهن.
كتاب أثار نقاشا واسعا
أثار «ما بعد الوحشية» اهتماما في الأوساط النقدية والأكاديمية، وذهبت قراءات عدة إلى اعتباره محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الغرب وبقية العالم من خلال مساءلة مفهوم التفوق الحضاري.
ورأت مجلة «بابليشرز ويكلي» في الكتاب إدانة قوية للواقع السياسي والأخلاقي الراهن، بينما ركزت قراءات أخرى على أطروحته القائلة إن الحضارة الغربية لم تتشكل في عزلة عن الشرق والجنوب، وإنما كانت نتيجة تفاعلات تاريخية وثقافية متبادلة.
كما اعتبرت بعض القراءات أن ادعاء وجود حضارة غربية ذات نقاء ثقافي مستقل عن بقية العالم ليس سوى أسطورة استُخدمت في أوقات مختلفة لتبرير أنظمة الهيمنة والسلطة.
وفي قراءات أخرى، اعتُبر الكتاب محاولة للكشف عن استمرار أنماط الاستعمار داخل النظام العالمي المعاصر، وعن الكيفية التي يمكن بها للأفكار الفلسفية أن تتقاطع مع مشاريع القوة السياسية.
فلسطين بوصفها مرآة للنظام العالمي
تتجاوز أهمية الكتاب، وفق قراءاته النقدية، موقفه من الحرب على غزة إلى الطريقة التي يستخدم بها فلسطين لإعادة طرح سؤال أكبر: من يملك حق تعريف الحضارة، ومن يحدد معايير الإنسانية والعدالة؟
فدباشي يرى أن المأساة الفلسطينية كشفت، بصورة غير مسبوقة، التناقضات بين الخطاب المعلن حول حقوق الإنسان والممارسات السياسية على الأرض.
ومن هذه الزاوية، تتحول غزة إلى مرآة يرى فيها العالم صورة نظامه الدولي، بما يحمله من تفاوت في التعامل مع الضحايا، واختلاف في تعريف العنف، وتباين في قيمة الأرواح تبعا لموقعها داخل الخريطة السياسية العالمية.
قراءات أكاديمية تدعم أطروحة الكتاب
وجدت أطروحات دباشي صدى لدى عدد من الباحثين والشخصيات الأكاديمية التي قرأت الكتاب بوصفه محاولة لتفسير الحرب على غزة ضمن سياق تاريخي أوسع.
وقالت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، إن الكتاب يقدم مجموعة واسعة من الحجج والأدلة التي تساعد في تجاوز النقاش التقليدي حول «الغرب وبقية العالم»، وربط ذلك بما تصفه بالمحو الاستعماري الاستيطاني للشعب الفلسطيني.
وترى ألبانيز أن فلسطين تكشف حقائق أعمق بشأن طبيعة النظام العالمي، وأن المأساة الحالية تضع المجتمع الدولي أمام مفترق طرق بين استمرار الوضع القائم أو محاولة إعادة بناء منظومة تقوم على حماية الإنسان ورفض الإبادة والعنصرية.
أما المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، أحد أبرز مؤرخي إسرائيل الجدد ومدير المركز الأوروبي لدراسات فلسطين في جامعة إكستر البريطانية، فيرى أن دباشي يربط، من خلال دراسة الشعر والأدب والفلسفة، بين ما يحدث في غزة وتاريخ أطول من العنصرية وكراهية الإسلام والاستشراق والاستعمار.
ويعتبر بابيه أن الكتاب يحاول إظهار الصلات بين هذه الأفكار وبين النظام العالمي الاستعماري وما بعد الاستعماري، بما في ذلك تأثيرها في عدد من كبار المفكرين الأوروبيين الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم ممثلين للقيم الإنسانية.
ما بعد الوحشية.. سؤال يتجاوز غزة
في جوهره، لا يقدم «ما بعد الوحشية» قراءة للحرب على غزة فحسب، وإنما يحاول تحويل المأساة إلى سؤال فكري شامل حول مستقبل العالم.
فإذا كانت غزة قد كشفت، وفقا لدباشي، حدود المنظومة الأخلاقية والسياسية التي حكمت العالم الحديث، فإن السؤال التالي يصبح: ماذا يمكن أن يأتي بعدها؟
بالنسبة إلى المفكر الإيراني، لا تكمن الإجابة في إعادة إنتاج النظام نفسه بأدوات جديدة، وإنما في إعادة التفكير في مصادر المعرفة والسلطة، وإفساح المجال أمام تجارب الشعوب التي عاشت الاستعمار والحروب والتهميش كي تشارك في صياغة قواعد عالمية مختلفة.
وهكذا تصبح غزة، في مشروع دباشي، نقطة انطلاق لإعادة تعريف مفاهيم الحضارة والعدالة والإنسانية، وليس مجرد ساحة حرب. إنها، كما يطرح الكتاب، لحظة يمكن أن تدفع العالم إلى الاختيار بين الاستمرار في منظومة يرى أنها أنتجت الوحشية، أو محاولة بناء أفق أخلاقي ومعرفي جديد ينطلق من تجارب من عاشوا هذه الوحشية في قلب حياتهم.





