ثقافة

حنّا مينة.. كيف حوّل البحر إلى عالم روائي خالد في الأدب العربي

الرواية العربية تكتشف البحر

كان البحر حاضراً في الأدب العالمي منذ أقدم الحكايات والأساطير، من «الأوديسة» ومغامرات السندباد إلى الرواية الحديثة، حيث أصبح فضاءً للصراع والمغامرة واختبار الإنسان أمام الطبيعة والمصير، كما في «موبي ديك» لهرمان ملفيل، و«قلب الظلام» لجوزيف كونراد، و«الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي.

ومع تطور هذا المسار، تبلور ما عرف لاحقاً بـ«أدب البحر» بوصفه عالماً له لغته وشخصياته وفضاءاته الخاصة. غير أن حضور البحر في الرواية العربية الحديثة ظل متفرقاً ومحدوداً، إلى أن جاء حنّا مينة ليمنحه مساحة مركزية، ويجعله مكوناً أساسياً في بناء الشخصيات والحكايات والصراعات.

وبذلك لم يعد البحر في روايات مينة مجرد خلفية للأحداث، بل تحول إلى عالم متكامل تتشكل داخله مصائر الشخصيات، وتتقاطع فيه علاقات الإنسان بالفقر والعمل والحب والخوف والحرية.

«لحمي سمك البحر ودمي ماؤه المالح»

كان الأديب السوري الراحل سعيد حورانية من أوائل من التقطوا قدرة مينة على توظيف البحر في الأدب، فوصفه بأنه أحد رواد البحر في الأدب العربي، بينما رأى سهيل إدريس أنه أسس لهذا اللون الأدبي عربياً.

وكان مينة نفسه واعياً للمفارقة بين الامتداد الساحلي الكبير للعالم العربي وبين محدودية حضور البحر في إنتاجه الأدبي، ولذلك وصف نفسه بأنه سفير للماء على اليابسة، مؤكداً أن البحر بالنسبة إليه حالة من العطش والشوق الدائمين، وأن قدره جعله مترجماً لعالمه وعجائبه بالكلمات.

ولا يمكن فصل هذه العلاقة العميقة عن سيرته الشخصية. فقد ولد حنّا مينة عام 1924 في اللاذقية لعائلة محدودة الدخل، واضطرته الظروف الاقتصادية إلى مغادرة التعليم والعمل في مهن مختلفة، بدأها مساعداً لحلاق وجليساً للأطفال، قبل أن يعمل حمّالاً في الميناء، ثم يجد طريقه إلى البحر بحاراً.

هناك، بين المرافئ والصيادين والعمال، عاش مينة تفاصيل الحياة القاسية، واحتك برجال البحر تحت الشمس، وعرف ما يحمله هذا العالم من قوة وتناقضات وأحلام وخيبات. وتحولت تلك التجارب لاحقاً إلى مادة أساسية في رواياته وشخصياته.

ولذلك كتب عن علاقته بالبحر باعتبارها علاقة تتجاوز المكان إلى الهوية والوجود، حتى بدا في كثير من أعماله وكأنه جزء من هذا العالم الذي يكتب عنه، لا مجرد راوٍ يقف خارجه.

أبطال الساحل المهمشون

وجد مينة في البحر امتداداً طبيعياً لمشروعه الروائي الواقعي، الذي انحاز فيه إلى الطبقات الفقيرة والمهمشة، ووضع العمال والبحارة والكادحين في مركز الحكاية.

وكانت هذه الرؤية مرتبطة إلى حد كبير بتجربته الشخصية، التي عرف خلالها الفقر والعمل الشاق والعمل السياسي والسجن والتعذيب، فاختار أن يمنح شخصياته المهمشة مساحة نادرة في الرواية العربية.

أبطاله لم يكونوا رجالاً خارقين، بل بشراً أنهكتهم الحياة وقسوة العمل وضيق الحال، ومع ذلك احتفظوا بعنادهم ورغبتهم في مقاومة الهزيمة. ومن هنا أصبح البحر بالنسبة إليهم مجالاً لاختبار الشجاعة والكرامة في مواجهة الخوف والفقر والعجز.

كما لم يأت حضور البحر منفصلاً عن صورة المرأة في أعماله. فقد ظهر البحر في كثير من الأحيان كقوة تحمل خصائص متناقضة؛ يمنح الحياة والاحتواء والخصوبة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن ينقلب على الإنسان بعواصفه وتقلباته.

ومن خلال هذه الثنائية، بنى مينة واحداً من أكثر أسئلته حضوراً: الإنسان الذي يحاول أن يمسك زمام مصيره، في مواجهة عالم أكبر منه يذكّره باستمرار بحدود قدرته.

«الشراع والعاصفة».. حين يصبح البحر غائباً

مع صدور رواية «الشراع والعاصفة» عام 1966، اكتملت ملامح العالم البحري الذي شيده مينة، من خلال شخصية «الطروسي»، البحار الذي فقد قاربه خلال عاصفة عنيفة واضطر إلى العيش على اليابسة.

يفتتح الطروسي مقهى بالقرب من المرفأ، لكنه يظل في داخله بحاراً لا يستطيع التخلص من علاقته بالبحر. وهنا تكمن المفارقة التي منحت الرواية توترها الأساسي: البحر أمام عينيه، لكنه لم يعد قادراً على الإبحار فيه.

وبين جدران المقهى، تلتقي شخصيات العمال والمناضلين في أجواء الحرب العالمية الثانية ومقاومة الاستعمار الفرنسي، بينما يظل الطروسي أسير حلم العودة إلى عالمه المفقود.

ويظهر البحر في هذه الرواية بوصفه أكثر من مكان؛ إنه مقياس للقوة والحرية والكرامة، وغيابه عن حياة الطروسي يتحول إلى شعور دائم بالعجز والإهانة.

وقد وصف مينة الرواية بأنها قصيدة بحرية على لسان شاعر بحري قذفته الأمواج إلى اليابسة، قبل أن يعود إلى مملكة أبيه. وبلغ تأثير شخصية الطروسي حداً جعل بعض بحارة اللاذقية يزعمون أنهم النموذج الحقيقي الذي استوحى منه مينة الشخصية.

«الياطر».. البحر بوصفه ذاكرة

في عام 1972، ذهب مينة بالبحر إلى مساحة أكثر عزلة في رواية «الياطر»، من خلال شخصية «زكريا المرسنلي»، الصياد الذي يهرب إلى الغابة بعد ارتكاب جريمة قتل، ويعيش وحيداً على الشاطئ.

هنا يصبح البحر الذاكرة الأخيرة التي تربط زكريا بحياته الماضية. فبينما يحاول الابتعاد عن العالم، يبقى الماء حاضراً أمامه بوصفه جزءاً من هويته التي لا يستطيع التخلص منها.

وفي «الياطر» لا يعود البحر مجرد مسرح للأحداث، بل يتحول إلى مستودع للذكريات، وإلى رابط بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وصورته القديمة عن نفسه.

ومن خلال هذه المعالجة، يؤكد مينة أن الابتعاد عن المكان لا يعني بالضرورة التحرر منه، خصوصاً عندما يكون المكان جزءاً من تكوين الإنسان وذاكرته.

ثلاثية البحر وإرث الآباء

مع «حكاية بحار» عام 1981، توسع مشروع مينة البحري ليصبح ثلاثية امتدت إلى «الدقل» عام 1982 و«المرفأ البعيد» عام 1983.

وتتخذ الحكاية في هذه الأعمال بعداً عائلياً من خلال شخصية سعيد حزوم وعلاقته بوالده صالح، البحار المغامر الذي يتحول مع مرور الوقت إلى صورة ضخمة في ذاكرة الابن.

يكبر الأب في وعي سعيد، ويتحول إرثه إلى مسؤولية ثقيلة، إذ يجد الابن نفسه مطالباً بأن يكون وفياً لصورة الأب القوي الذي يصعب بلوغ مكانته.

وتختصر وصية الأب هذه العلاقة بين الأجيال والبحر، حين يدعو ابنه إلى اللجوء إلى البحر في أوقات الشدة، وإلى الالتزام بأخلاق البحارة الحقيقيين.

وفي «المرفأ البعيد»، يتجه سعيد بعيداً في طريق النضال السياسي، لكنه يظل مشدوداً إلى صورة والده وإلى ذلك العالم الذي شكّل جزءاً من طفولته ووعيه.

وهكذا يتحول البحر من مجرد مكان إلى إرث ينتقل من الأب إلى الابن، ومجال لاختبار القوة والوفاء والهوية، ورابط خفي يصل بين أزمنة مختلفة.

البحر مشروعاً روائياً لا مجرد موضوع

تكمن أهمية حنّا مينة في أنه لم يكتفِ بكتابة روايات تقع أحداثها بالقرب من البحر، بل جعل البحر جزءاً من البنية العميقة لأعماله. فقد حمل البحر عنده معاني الحرية والخوف والفقر والعمل والذاكرة، وأصبح مرآة للشخصيات وهي تواجه العالم وتحاول مقاومة مصائرها.

ومن الميناء إلى المقهى، ومن قوارب الصيادين إلى العواصف، ومن البحار الذي فقد مركبه إلى الابن الذي يرث سيرة أبيه، نسج مينة عالماً روائياً واسعاً جعل الساحل السوري جزءاً من الذاكرة الأدبية العربية.

ولهذا ارتبط اسمه بالبحر إلى درجة استحق معها لقب «شيخ البحارة»، بعدما منح هذا الفضاء حضوراً استثنائياً في الرواية العربية، وحوّل تجاربه الشخصية بين المرافئ والعمل والبحر إلى أدب بقي حاضراً بعد رحيله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى