ثقافة

ثورة الزنج في تاريخ الطبري.. هل كتب المؤرخ الكبير عنها من داخل الدولة لا من موقع المحايد؟

خصّ المؤرخ محمد بن جرير الطبري ثورة الزنج في كتابه تاريخ الأمم والملوك بمساحة واسعة تجاوزت 200 صفحة، وقدم تفاصيل دقيقة عن أحداثها ومسارها وقادتها ومعاركها، في معالجة لم تحظ بها ثورات أخرى بالقدر نفسه.

لكن قراءة هذه الصفحات تكشف حضورا متكررا لأوصاف قاسية لقائد الثورة علي بن محمد، المعروف بصاحب الزنج، إذ يصفه الطبري بألفاظ من قبيل “الخبيث” و”الخائن” و”الفاجر” و”الفاسق”، بينما يصف أتباعه بالفسق. وهو ما يطرح سؤالا يتجاوز مسألة دقة الرواية إلى طبيعة موقع المؤرخ نفسه من الحدث الذي يؤرخ له.

فهل كان بإمكان مؤرخ عاش أحداث الثورة في كنف الدولة العباسية أن يكتب عنها بمعزل كامل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي أحاطت بها؟

ثورة هزت الدولة العباسية

اندلعت ثورة الزنج سنة 255هـ/869م في عهد الخليفة العباسي المهتدي بالله، ثم اتسع نطاقها بصورة كبيرة في عهد المعتمد على الله، واستمرت قرابة 15 عاما، مخلفة أعدادا كبيرة من القتلى وأضرارا عميقة في اقتصاد الدولة العباسية.

ولم تكن المنطقة الجنوبية من العراق غريبة عن حركات تمرد الزنج، إذ شهدت المنطقة منذ عهد عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب تحركات سابقة جرى القضاء عليها بالقوة.

وقاد الثورة علي بن محمد، المعروف باسم “صاحب الزنج”، وهي شخصية لا يزال نسبها موضع نقاش بين الباحثين. فقد ذهب بعضهم إلى أنه كان فارسيا من أهل الري، بينما نسبه آخرون إلى الطالبيين من أهل بيت النبوة.

أما الزنج، كما ترد تسميتهم في مصادر تلك المرحلة، فكانوا في معظمهم من العبيد والإماء الذين عملوا في تجفيف السباخ واستصلاح الأراضي في جنوب العراق وسط ظروف معيشية شديدة القسوة، مقابل قوت محدود بالكاد يكفيهم.

بدأ علي بن محمد نشاطه في هجر والأحساء بالبحرين، داعيا إلى تحرير العبيد، فالتف حوله عدد منهم. وتورد بعض الروايات أنه ادعى النبوة وعلم الغيب، قبل أن ينتقل إلى البصرة ويستقطب العمال العاملين في السباخ.

ومع اتساع نفوذه، تمكنت قواته من السيطرة على البصرة، ثم امتدت الثورة إلى الأهواز وعبادان وواسط، لتتحول من تمرد محلي إلى تهديد مباشر لسلطة الخلافة العباسية.

وعندما تولى أبو أحمد الموفق، شقيق الخليفة المعتمد، قيادة القوات العباسية، دخلت الدولة في مواجهة عسكرية طويلة مع الثوار، انتهت بمقتل علي بن محمد سنة 270هـ/883م وانحسار الثورة.

الطبري.. المؤرخ الذي عاصر الثورة

ولد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري سنة 224هـ/839م في طبرستان، شمال إيران حاليا على ساحل بحر قزوين.

تنقل الطبري في رحلته العلمية بين الري وبغداد والكوفة والبصرة، ثم قصد مصر سنة 253هـ، حيث درس الفقه وعلومه وأخذ عن علماء المالكية والشافعية، قبل أن يستقر في بغداد.

وعُرض عليه تولي القضاء، لكنه رفض، كما امتنع عن تولي منصب المظالم، مفضلا الابتعاد عن المناصب الرسمية. وتوفي في بغداد سنة 310هـ/923م.

ويصفه الخطيب البغدادي بأنه كان حافظا للقرآن، عالما بالقراءات والمعاني والفقه وأحكام القرآن، واسع المعرفة بالسنن وأقوال الصحابة والتابعين وأخبار الأمم وأيام العرب.

وترك الطبري مؤلفات كثيرة، من أبرزها اختلاف علماء الأمصار، وتفسيره الشهير جامع البيان في تأويل القرآن، إلى جانب كتابه التاريخي الأشهر تاريخ الأمم والملوك.

وقد جعلت منه طريقته في جمع الروايات وتسجيل الأخبار أحد أبرز المؤرخين في التراث الإسلامي، حتى أصبح منهجه مرجعا أساسيا لمن جاء بعده.

حين يصبح المؤرخ جزءا من الحدث

غير أن التعامل مع ثورة الزنج يكشف جانبا مختلفا في رواية الطبري. ففي الأخبار المتعلقة بالثورة خلال السنوات الممتدة من 255 إلى 270هـ، تتكرر أوصافه السلبية لصاحب الزنج وأتباعه بصورة لافتة.

وهنا تبرز فكرة “المؤرخ الأصلي” التي تحدث عنها الفيلسوف الألماني هيغل، وهو المؤرخ الذي يعيش الحدث في زمانه، ويراقبه من داخله، ويتأثر بالمناخ السياسي والاجتماعي الذي يحيط به، بخلاف المؤرخ الذي يأتي بعد الحدث بسنوات أو قرون ويقرأه من مسافة زمنية أكثر اتساعا.

والطبري كان معاصرا لثورة الزنج، وكان يتابع أخبارها في مجتمع يعيش تحت سلطة الخلافة العباسية، وفي وقت كانت فيه الثورة تمثل تهديدا مباشرا للنظام السياسي والاجتماعي القائم.

ومن هذه الزاوية، يصبح من الصعب فصل رواية المؤرخ عن البيئة التي عاش فيها، حتى وإن لم يكن ذلك نتيجة ولاء سياسي أو رغبة في التقرب من السلطة.

واقعة تكشف حدود الحياد

ويقدم الطبري نفسه مثالا على تأثير البيئة المحيطة بالمؤرخ في اختياراته. فقد أشار في تاريخه إلى أنه لم يورد واقعة تتعلق بمكاتبة محمد بن أبي بكر لمعاوية بن أبي سفيان، معللا ذلك بالخوف من العامة.

وهذا الموقف يوضح أن المؤرخ قد يمتنع أحيانا عن تسجيل واقعة تاريخية لا لعدم معرفته بها، وإنما بسبب تقديره للظروف المحيطة بنشرها وروايتها.

ومن هنا يمكن فهم التباين بين الطبري في تعامله مع الأحداث التي تفصل بينه وبينها مسافة زمنية، وبين روايته لثورة الزنج التي كان يعيشها في زمانها ومجتمعها.

وقد تناول المفكر المصري محمد عمارة هذه الإشكالية في كتابه ثورة الزنج، محاولا إعادة قراءة الثورة من زاوية أكثر إنصافا.

ويرى عمارة أن ثورات الشيعة والمعتزلة والخوارج والموالي، رغم تعرضها للتشويه من خصومها، وجدت في مراحل لاحقة من يدافع عنها أو يقدم روايات أكثر إنصافا لها. أما ثورة الزنج، فتكاد تكون حالة استثنائية لغياب مؤرخ محايد يتبنى روايتها أو يدافع عنها.

من هم الزنج؟

يثير مصطلح “الزنج” نفسه سؤالا حول هوية الفئات التي شكلت قاعدة الثورة.

وتتفق معاجم عربية قديمة وحديثة في ربط المصطلح بالسكان السود القادمين من مناطق أفريقيا. ويورد معجم المعاني الجامع أن الزنج جماعة من السودان تتميز بالبشرة السوداء والشعر الجعد، بينما يصفهم القاموس المحيط ومختار الصحاح بأنهم من السودان، والمفرد منهم زنجي.

ويرى الدكتور فيصل السامر في كتابه ثورة الزنج أن شرق أفريقيا، وخاصة المناطق الساحلية منها، كان مصدرا رئيسيا لتجارة الرقيق التي نقلت أعدادا من الأفارقة إلى مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.

ومع ازدهار التجارة في سواحل الخليج خلال العصر العباسي، نشأت صلات تجارية مع شرق أفريقيا ومدغشقر، وظهرت مستوطنات عربية وإسلامية على سواحل لامو ومومباسا وزنجبار وموزمبيق، ومنها جرى نقل العبيد إلى جنوب العراق.

لكن هؤلاء لم يكونوا جماعة متجانسة، وفقا للسامر، إذ ضمت صفوفهم غلمان “الشورجية” الذين عملوا في الملح، و”الفراتية” الذين استقروا في منطقة فرات البصرة، إلى جانب “النوبة” الذين جُلبوا من بلادهم.

وكان الفراتية والنوبة من أكثر الفئات قوة في جيش صاحب الزنج، بينما كان هناك أيضا ما وصفه بالمجموعة “الزنوج الخلص”، الذين لم يكونوا يتحدثون العربية، ما دفع علي بن محمد إلى الاستعانة بمترجمين للتواصل معهم.

وتكشف هذه التفاصيل عن مدى تنوع المجموعات التي انضمت إلى الثورة، وعن التحولات العميقة التي طرأت على أفراد اقتُلع كثير منهم من بيئاتهم الأصلية ونقلوا إلى العراق قبل أن يتحول بعضهم إلى قوة عسكرية منظمة.

هل كان الطبري مؤرخ سلطة؟

قد يبدو تفسير موقف الطبري من ثورة الزنج على أساس قربه من الدولة العباسية نوعا من التبسيط، خصوصا أن سيرته لا تشير إلى رجل كان يسعى إلى رضا السلطة.

فالطبري رفض القضاء والمناصب الرسمية، كما تعرض هو نفسه لمعارضة شديدة من خصومه، وخاصة بعض الحنابلة، الذين اتهموه بالتشيع والباطنية، ووصل الأمر إلى منع بعض العامة من حضور جنازته نهارا، فدُفن في منزله.

لذلك يصعب اختزال موقفه من ثورة الزنج في كونه محاولة للتزلف إلى السلطة أو خدمة مباشرة للخلافة.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أوصافه لصاحب الزنج وأتباعه تمثل حكما تاريخيا موضوعيا ونهائيا عليهم. فوصف شخص أو جماعة بالخبث والفسق والفجور هو موقف تقويمي، وليس مجرد نقل محايد للوقائع، ولا يمكن أن يصبح صحيحا لمجرد أن قائله هو الطبري.

أما ما يتعلق باحتمال ارتباط الثوار بالباطنية، فقد أثير هذا الاحتمال في بعض الدراسات، لكنه لا يبدو مدعوما بدليل صريح وحاسم يثبت أن ثورة الزنج كانت حركة باطنية بالمعنى العقدي.

وتطرح هذه المسألة سؤالا أوسع: حتى لو ثبت وجود توجهات دينية معينة بين بعض الثائرين، فهل يكفي ذلك وحده لنفي الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت قطاعات واسعة من المستعبدين والمهمشين إلى حمل السلاح؟

بين رواية الطبري وقراءة الثورة

تكمن أهمية ثورة الزنج في أنها لا تكشف فقط عن واحدة من أعنف الأزمات التي واجهت الخلافة العباسية، بل تكشف أيضا عن حدود الرواية التاريخية عندما يكون المؤرخ معاصرا للحدث وجزءا من المجتمع الذي يعيش تداعياته.

فالطبري قدم مادة تاريخية هائلة عن الثورة، وبدونه لكان الكثير من تفاصيلها قد ضاع، لكن كثافة روايته لا تعني بالضرورة حياد زاويتها.

ولهذا فإن إعادة قراءة ثورة الزنج اليوم لا تقتضي إسقاط قيمة الطبري كمؤرخ، ولا اتهامه بالتعمد في تزوير الوقائع، وإنما تقتضي التمييز بين ما رواه عن الحدث، وبين الأحكام التي أطلقها على أطرافه.

ومن هذه المسافة النقدية يمكن التعامل مع تاريخ الطبري باعتباره مصدرا لا غنى عنه، لكن ليس مصدرا معصوما من تأثير عصره ومجتمعه ونظرته إلى القوى التي كانت تهدد النظام السياسي والاجتماعي الذي عاش في ظله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى