كيف صورت السينما فلسطين؟ من تغييب الحكاية إلى استعادة الحق في السرد

من دبابة عسكرية ضخمة تنفجر بمجرد أن يلقي عليها شاب فلسطيني “نواة مشمش” في أحد أفلام إيليا سليمان، إلى طفلة حقيقية تدعى هند رجب يختنق صوتها داخل سيارة إسعاف محاصرة تحت القصف في فيلم كوثر بن هنية، تتبدل صورة فلسطين على الشاشة من عمل إلى آخر، بينما تظل السينما مساحة أساسية لإعادة طرح سؤال الحكاية: من هو الفلسطيني؟ وكيف ظهر في الأفلام؟ ومن امتلك حق رواية قصته؟
ومع وصول عام 2026 إلى نهايته، وبعد أن قطعت أفلام وشهادات بصرية من غزة طريقها إلى مهرجانات العالم، لم تعد الكاميرا مجرد أداة فنية لصناعة المشهد، بل أصبحت جزءا من مسار طويل شهد تحولات سياسية وثقافية عميقة، تراوحت بين تغييب الفلسطيني عن الصورة وتوظيف قضيته ضمن روايات الآخرين، وصولا إلى محاولة استعادة حقه في تقديم تجربته بنفسه.
هوليوود تعيد تشكيل صورة الفلسطيني
تقوم السينما على بناء سرديات قادرة على توجيه تعاطف المشاهد نحو شخصيات بعينها، من خلال منحها تفاصيل حياتية وإنسانية، في حين يمكن أن تحرم شخصيات أخرى من المساحة نفسها، فتظهر مجردة من تاريخها وملامح حياتها اليومية.
وعلى مدى عقود، ظهر الفلسطيني في عدد من إنتاجات هوليوود من خلال صورة نمطية تركز على المسلح أو الخاطف أو عضو التنظيم المسلح، بينما قُدمت إسرائيل باعتبارها دولة واضحة المعالم، تمتلك مدنا وشخصيات وعائلات وذاكرة وحياة يومية.
ومن الأعمال المبكرة التي أسهمت في تكريس هذا النوع من السرد فيلم «الخروج الكبير» (Exodus) الذي أخرجه أوتو بريمينغر عام 1960، والمقتبس من رواية ليون أوريس. ويركز الفيلم على قصة قيام إسرائيل من منظور يهودي أميركي، بحيث يصبح الوصول إلى الدولة الجديدة وتثبيت وجودها محور الحكاية، في حين تظهر المقاومة الفلسطينية بوصفها عائقا أمام هذا المسار.
وبعد ست سنوات، قدم فيلم «ظل العمالقة» (Cast a Giant Shadow) عام 1966 قصة الضابط اليهودي الأميركي ديفيد ماركوس، الذي يلتحق بالقوات الإسرائيلية ويسهم في بناء جيشها خلال حرب عام 1948. ويضع الفيلم الشخصيات العربية في موقع الخصم، بينما يقدم ماركوس بوصفه شخصية مركزية في الأحداث.
النكبة خارج مركز الصورة
استمرت هذه الصورة في عدد من الأفلام خلال العقود التالية. ففي فيلم «ملف القدس» (The Jerusalem File) عام 1972، للمخرج جون فلين، يظهر الفلسطيني من خلال مجموعات مسلحة متنافسة تنشط في القدس والضفة الغربية.
أما فيلم «السفير» (The Ambassador) الذي أخرجه جي لي تومسون عام 1984، فيتناول لقاء يجمع طلابا فلسطينيين وإسرائيليين في إطار مبادرة للسلام برعاية السفير الأميركي، قبل أن يتحول الاجتماع إلى مشهد عنيف إثر هجوم مسلحين فلسطينيين، وتنتهي الأحداث بخروج طلاب إسرائيليين في مسيرة للسلام.
وفي «قوة دلتا» (The Delta Force) عام 1986، يذهب هذا التقديم إلى مستوى أكثر مباشرة، إذ تبدأ الأحداث باختطاف طائرة أميركية على يد مسلحين من الشرق الأوسط وتحويل مسارها إلى بيروت، قبل أن تتدخل وحدة أميركية خاصة لتحرير الرهائن.
وفي هذه النماذج، تظهر الذاكرة التاريخية بصورة غير متوازنة داخل السرد. فعندما تحتاج الحكاية إلى تفسير قيام إسرائيل، تحضر ذكرى المحرقة من خلال الشخصيات والحوارات والمواد الأرشيفية، بينما لا تحتل النكبة الفلسطينية الموقع نفسه، رغم أنها شكلت نقطة تحول أساسية في حياة مئات آلاف الفلسطينيين وأدت إلى تهجيرهم وتكوين واقع اللجوء.
السينما المصرية وفلسطين من زاوية الحرب
اتخذ حضور فلسطين في السينما المصرية مسارا مختلفا، إذ ارتبط في الغالب بالحروب والمواجهات العسكرية، وانطلق من موقع مصر داخل الصراع، بينما ظلت الحياة اليومية للفلسطيني وتجربته الخاصة أقل حضورا في العديد من الأعمال.
وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، تراجع حضور القضية الفلسطينية في السينما المصرية لفترة، قبل أن تعود في أعمال ارتبطت بصورة أساسية بالحروب المصرية واستعادة سيناء والعمليات الاستخباراتية.
ففي فيلم «الطريق إلى إيلات» الذي أخرجته إنعام محمد علي عام 1993، تتابع الأحداث مجموعة من أفراد القوات البحرية المصرية خلال مهمة لتدمير سفن إسرائيلية في ميناء إيلات.
أما فيلم «فخ الجواسيس» لأشرف فهمي، الذي صدر عام 1992، فيتناول قصة امرأة مصرية تعمل لصالح الموساد الإسرائيلي، قبل أن تتمكن المخابرات المصرية من كشف أمرها وتعيد توظيفها ضمن عملية عميلة مزدوجة.
ناجي العلي.. الفلسطيني في مركز الحكاية
قدم فيلم «ناجي العلي» لعاطف الطيب عام 1992 مسارا مختلفا نسبيا، إذ انتقل من التركيز على البطولة المصرية إلى الاقتراب من التجربة الفلسطينية نفسها من خلال سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي.
يتتبع الفيلم حياة العلي منذ طفولته في مخيم عين الحلوة، عقب اقتلاع عائلته من أرضها، وصولا إلى سنوات المنفى، حيث ظل يحمل فلسطين في أعماله ورسوماته، وابتكر شخصية حنظلة عام 1969.
ويمنح هذا العمل الفلسطيني موقعا مختلفا داخل السرد؛ فهو لا يظهر باعتباره خلفية لحرب يخوضها الآخرون، ولا مجرد قضية تستدعي البطولة المصرية، وإنما يصبح الإنسان الفلسطيني وتجربته الشخصية محور الحكاية.
السينما السورية بين الحلم والخيبة
أما السينما السورية، فارتبط حضور فلسطين فيها بصورة أوسع بالمصير العربي المشترك، وبالخيبات التي خلفتها الحروب والهزائم، في ظل أنظمة عربية رفعت لسنوات شعارات التحرير والمواجهة.
ومع تراكم الهزائم والنكبات، تحولت المعالجة السينمائية تدريجيا من الإيمان بمشروع عربي موحد للتحرير إلى استعادة آثار الخيبة ورصد ما خلفته الحروب على الجنود واللاجئين والفلسطينيين.
وهكذا لم تعد فلسطين في السينما العربية مجرد مساحة تجري فيها المعارك، بل بدأت تظهر بوصفها تجربة إنسانية تتقاطع فيها الذاكرة والاقتلاع والمنفى والهزيمة، وصولا إلى جيل جديد من الأفلام التي يحاول صناعها نقل الفلسطيني من موقع الشخصية الثانوية أو الرمز السياسي إلى موقع صاحب الحكاية نفسه.





