بيسنت: خطوط الأنابيب قد تتجاوز مضيق هرمز خلال عامين وسط شكوك الخبراء

قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن مشروعات خطوط أنابيب النفط الجاري تطويرها في منطقة الخليج قد تسمح بتجاوز مضيق هرمز خلال عامين، في خطوة من شأنها تقليص الاعتماد على الممر المائي الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية.
ونقلت وكالة بلومبيرغ عن بيسنت قوله، خلال جلسة حوارية مع المستشار الاقتصادي السابق للبيت الأبيض لاري كودلو على هامش اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأمريكية، إن المضيق يمكن أن يجري “تجاوزه خلال عامين”.
ولم يكشف الوزير تفاصيل محددة بشأن خطوط الأنابيب التي يستند إليها هذا التقدير أو الطاقات الإضافية التي يمكن أن توفرها.
تصريحات وسط تصعيد أمريكي إيراني
تأتي تصريحات بيسنت في وقت تشهد فيه المنطقة تجددًا للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تبادل الطرفان الضربات خلال اليوم السابق.
وبالتزامن مع ذلك، تعرضت ناقلتا نفط كانتا تحاولان مغادرة مضيق هرمز لمقذوفات في وقت متأخر من الاثنين، وفقا لما نقلته بلومبيرغ عن شركة الاستشارات الأمنية البحرية “ماريسكس”.
ويعيد هذا التصعيد تسليط الضوء على المخاطر التي يفرضها اعتماد الأسواق العالمية على مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم.
هل يمكن فعلا تجاوز مضيق هرمز؟
كان بيسنت قد قال في تصريح سابق لإذاعة “إن بي آر” إن ما يتراوح بين 50% و70% من منتجات الطاقة التي كانت تمر عبر المضيق يمكن مستقبلا نقلها بواسطة خطوط أنابيب تحت الأرض.
وبحسب الوزير، فإن تطوير هذه البدائل قد يحول هرمز في نهاية المطاف إلى مجرد ممر مائي أقل أهمية بالنسبة إلى تجارة الطاقة.
لكن هذا التصور يواجه تشككا من جانب خبراء سوق النفط والطاقة، الذين يرون أن إنشاء خطوط إضافية قد يخفف الاعتماد على المضيق، لكنه لن يكون كافيا لإلغاء دوره بالكامل.
وقالت كبيرة محللي سوق النفط في وكالة الطاقة الدولية ريبيكا شولتز إن أكثر من 10 ملايين برميل من النفط يوميا قد تظل بحاجة إلى المرور عبر هرمز حتى بعد اكتمال المشروعات الكبرى، وهو ما يعادل قرابة نصف التدفقات التي كانت تمر بالمضيق قبل اندلاع الحرب نهاية فبراير/شباط الماضي.
خبراء يحذرون من المبالغة
وصف روبرت ماكنالي، رئيس مجموعة “رابيدان إنرجي” المتخصصة في أبحاث أسواق الطاقة، توقع بيسنت بشأن تحول مضيق هرمز إلى ممر بلا أهمية بأنه “مبالغ فيه للغاية”.
وأوضح أن المضيق سيظل، حتى مع توسع شبكات الأنابيب، أحد أهم نقاط اختناق تجارة الطاقة عالميًا، مشيرا إلى أن خطوط الأنابيب والمنشآت البديلة نفسها يمكن أن تكون عرضة للهجمات والمخاطر الأمنية.
وتعكس هذه المخاوف صعوبة إيجاد بديل كامل لمضيق هرمز، ليس فقط بسبب حجم النفط الذي يمر عبره، وإنما أيضا بسبب تنوع مصادر الطاقة التي تعتمد عليه.
نحو 20 مليون برميل يوميا عبر هرمز
تظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية مرت عبر مضيق هرمز خلال عام 2024.
ويمثل هذا الحجم قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، ما يوضح حجم التأثير المحتمل لأي اضطراب طويل في حركة الملاحة بالمضيق.
في المقابل، قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الطاقة الإضافية المتاحة قبل الحرب في خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية القادرة على تجاوز هرمز بنحو 2.6 مليون برميل يوميا فقط.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين حجم التدفقات التي تمر بالمضيق والطاقة الإضافية التي تستطيع المسارات البرية الحالية استيعابها.
السعودية والإمارات تبحثان عن بدائل
تمتلك السعودية أحد أبرز المسارات البديلة من خلال خط أنابيب شرق-غرب، الذي ينقل النفط من مركز بقيق لمعالجة الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى 5 ملايين برميل يوميا.
كما تمتلك الإمارات خط الأنابيب الممتد من حقل حبشان إلى ميناء الفجيرة الواقع خارج مضيق هرمز، وتبلغ طاقة تشغيله نحو 1.8 مليون برميل يوميا.
لكن المشكلة تكمن في أن هذه الخطوط كانت مستخدمة بالفعل قبل اندلاع الحرب، وبالتالي فإن كامل طاقتها الاسمية لا يمثل بالضرورة قدرة إضافية يمكن توجيهها فورا لاستيعاب شحنات جديدة.
كما أن اضطراب الملاحة في باب المندب يزيد المخاطر المرتبطة بالصادرات التي تمر من الموانئ الواقعة على البحر الأحمر.
7 مشروعات جديدة بحلول 2028
في موازاة ذلك، تعمل دول المنطقة على تطوير مشروعات جديدة تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس أن المنطقة تشهد تطوير ما لا يقل عن سبعة مشروعات لخطوط أنابيب بديلة، يمكن أن تتيح إعادة توجيه نحو 7.3 ملايين برميل من النفط يوميا بحلول عام 2028.
ويمثل هذا الحجم ما يقارب 60% من صادرات النفط الخليجية التي كانت تمر عبر هرمز قبل الحرب، وهو ما قد يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع أي اضطرابات مستقبلية.
وتسرع الإمارات بدورها تنفيذ خط “غرب-شرق 1″، المتوقع تشغيله في عام 2027، والذي سيعزز قدرة شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” على تصدير الخام عبر ميناء الفجيرة بعيدا عن المضيق.
الغاز الطبيعي المسال يمثل المشكلة الأكبر
رغم توسع بدائل نقل النفط، تبقى تجارة الغاز الطبيعي المسال أمام تحد أكثر تعقيدا.
ففي عام 2024، مر عبر مضيق هرمز نحو خمس التجارة العالمية من الغاز الطبيعي المسال، وكانت النسبة الأكبر من هذه الكميات عبارة عن صادرات قطرية.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 83% من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر المضيق كان متجها إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل العديد من الاقتصادات الآسيوية مرتبطة بصورة مباشرة باستمرار حركة الملاحة عبر هذا الممر.
وقال ديفيد غولدوين، المبعوث الأمريكي السابق لشؤون الطاقة، إنه لا يوجد خط أنابيب يمكنه تجاوز مضيق هرمز بالنسبة إلى الغاز الطبيعي المسال.
وتعني هذه الحقيقة أن قطر، التي تعد ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ستظل بحاجة إلى استخدام الممر البحري للوصول إلى جزء كبير من أسواقها الدولية.
النفط يمكن تحويل مساره.. لكن الغاز لا
تكشف أزمة هرمز عن فارق جوهري بين النفط والغاز؛ إذ يمكن تحويل جزء من صادرات النفط عبر خطوط أنابيب برية وموانئ بديلة، بينما لا يمكن نقل الغاز الطبيعي المسال بالطريقة نفسها دون الاعتماد على منشآت وممرات بحرية قادرة على استيعاب ناقلاته.
وبالتالي، فإن التوسع في خطوط الأنابيب قد يقلل من تأثير أي تعطيل لحركة ناقلات النفط عبر هرمز، لكنه لن يلغي الأهمية الاستراتيجية للمضيق في سوق الطاقة العالمية.
ومع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة، تبدو مساعي إنشاء طرق بديلة لنقل النفط والغاز جزءا من إعادة صياغة أمن الطاقة في الخليج، إلا أن حجم التدفقات الحالية وطبيعة تجارة الغاز تجعل الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز خلال فترة قصيرة أمرا محل شك كبير.





