اقتصاد

تحذير من استمرار أزمة إيران.. شركات ناقلات النفط تستعد لحرب طويلة

حذّر الرئيس التنفيذي لشركة «تورم» الدانماركية المتخصصة في نقل النفط، ياكوب ميلدغارد، من أن أسواق الطاقة قد تكون متفائلة أكثر من اللازم بشأن قرب انتهاء الحرب مع إيران، مشيرا إلى أن المواجهة قد تتحول إلى أزمة طويلة تمتد لأشهر أو حتى سنوات.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن ميلدغارد أن الأسواق تتعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب باعتبارها عاملا كافيا لدفع أطراف الصراع نحو تسوية سريعة، وهو السيناريو نفسه الذي ساد في بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، قبل أن يتضح أن ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب التجارة لا يؤديان بالضرورة إلى إنهاء الصراعات.

لا مسار واضحا لإنهاء الحرب

يرى ميلدغارد أن الولايات المتحدة وإيران والحرس الثوري الإيراني لا يملكون في الوقت الراهن مسارا واضحا للخروج من المواجهة، في حين بدأت دول الخليج تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة قد تستمر لفترة طويلة.

وتدفع هذه المخاوف دول المنطقة إلى إعادة ترتيب قدراتها اللوجستية وطرق تصدير الطاقة، بما يسمح باستمرار تدفق النفط رغم القيود التي فرضتها الحرب على حركة الملاحة في المنطقة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بسبب موقع مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، إذ إن أي اضطراب طويل في حركة السفن عبره ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وإمدادات النفط والوقود والأسواق العالمية.

تراجع أسعار النفط لا يعني انخفاض كلفة الشحن

جاءت تحذيرات رئيس شركة «تورم» في وقت تراجعت فيه أسعار النفط بفعل الآمال المتعلقة بالمحادثات بين إيران وسلطنة عُمان وإمكانية تحسن حركة الملاحة.

وتراجع خام برنت بنسبة 0.84% إلى 87.84 دولارا للبرميل عند إغلاق تداولات الأربعاء، بينما انخفض الخام الأميركي بنسبة 0.16% إلى 82.23 دولارا، بعدما سجلا خلال الجلسة أدنى مستوياتهما منذ 10 أغسطس/آب، وفقا للبيانات التي أوردتها رويترز.

لكن سوق الشحن لم تستجب بالسرعة نفسها لهذا التفاؤل، إذ بقيت حركة السفن عبر مضيق هرمز ضعيفة للغاية. وعبرت 5 سفن لنقل السلع المضيق الثلاثاء، مقابل متوسط بلغ 15 سفينة يوميا خلال الأيام العشرة السابقة، فضلا عن مستويات أعلى بكثير كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.

ويعكس ذلك اختلافا مهما بين سوق النفط وسوق النقل البحري؛ فسعر النفط يتأثر بسرعة بالتوقعات السياسية واحتمالات عودة الإمدادات، بينما تعتمد أسعار الشحن على عدد السفن المتاحة فعليا، وطول الرحلات، وأوقات الانتظار، ومخاطر الملاحة والتأمين.

أرباح قياسية لشركات الناقلات

وأظهرت نتائج «تورم» حجم الاستفادة التي حققتها شركات ناقلات النفط من اضطراب طرق التجارة وإطالة مسارات الإمداد.

وقفز صافي أرباح الشركة إلى مستوى قياسي بلغ 338 مليون دولار خلال الربع الثاني، مقارنة مع 59 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق. كما ارتفعت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 416 مليون دولار، مقابل 208 ملايين دولار قبل عام.

وارتفعت إيرادات الشركة المكافئة لعقود التأجير إلى 512 مليون دولار، في حين صعد متوسط العائد اليومي للسفينة إلى 59 ألفا و301 دولار، مقارنة مع 26 ألفا و672 دولارا في العام السابق.

وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى اضطراب تجارة النفط وإجبار الناقلات على قطع مسافات أطول، إلى جانب فترات الانتظار والاختناقات التي قلصت كفاءة الأسطول المتاح.

سوق تعمل بين الحرب والسلام

وصفت «تورم» أوضاع سوق النقل البحري بأنها تعمل في بيئة «لا حرب ولا سلام»، في ظل القيود المتغيرة على حركة السفن عبر مضيق هرمز.

وأشارت الشركة إلى أن انخفاض صادرات النفط من الشرق الأوسط دفع بعض المشترين إلى البحث عن إمدادات بديلة من الولايات المتحدة، وهو ما يغيّر مسارات التجارة ويزيد المسافة التي تقطعها الناقلات لنقل الشحنات.

وفي ظل هذه الظروف، رفعت الشركة توقعاتها لأرباحها قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك لعام 2026 بنحو 200 مليون دولار، لتتراوح بين مليار و1.2 مليار دولار.

كما توقعت أن تتراوح إيرادات التأجير خلال العام بين 1.4 و1.6 مليار دولار، مستفيدة من استمرار ارتفاع الطلب على الناقلات وتراجع كفاءة شبكة النقل العالمية.

مضاعفة عدد الناقلات المطلوبة

ويرى ميلدغارد أن الحفاظ على حجم صادرات النفط الذي كان قائما قبل الحرب سيكون أكثر صعوبة في ظل الظروف الحالية، مشيرا إلى أن تحقيق ذلك قد يتطلب نحو ضعف عدد ناقلات الخام العملاقة وثلاثة أمثال عدد ناقلات المنتجات النفطية الكبيرة.

ويرجع ذلك إلى أن الناقلات أصبحت تنقل كميات أقل بكفاءة، وتضطر إلى الانتظار لفترات أطول، كما قد تلجأ إلى عمليات نقل الحمولة من سفينة إلى أخرى، فضلا عن اعتماد مسارات بحرية أطول لتجنب المناطق عالية المخاطر.

وبالتالي، فإن انخفاض أسعار النفط لا يؤدي بصورة تلقائية إلى انخفاض أجور النقل البحري، لأن تكلفة الشحن ترتبط قبل كل شيء بمدى توفر السفن وقدرتها على تنفيذ الرحلات، وليس بسعر البرميل وحده.

تراجع حاد في تدفقات النفط عبر هرمز

وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم التراجع في حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، إذ انخفضت كميات النفط الخام والسوائل البترولية المنقولة عبر المضيق إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميا خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة مع 21.6 مليون برميل يوميا في الربع الأخير من عام 2025.

ويمثل ذلك انخفاضا يتجاوز 77%، وهو تراجع يوضح مدى التأثير الذي أحدثته القيود المفروضة على الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.

وقدرت إدارة معلومات الطاقة أن توقف الإنتاج المرتبط بقيود الملاحة عبر هرمز وصل إلى نحو 5.5 ملايين برميل يوميا خلال يوليو/تموز، متوقعة استمرار القيود الشديدة على حركة الشحن خلال أغسطس/آب قبل أن تبدأ في التحسن تدريجيا خلال سبتمبر/أيلول.

لكن عودة الأسواق إلى أوضاع قريبة من مستويات ما قبل الحرب قد تحتاج إلى وقت أطول، إذ لا تتوقع الإدارة عودة أنماط الإنتاج والتجارة إلى مستوياتها السابقة قبل بداية عام 2027.

كما توقعت استمرار تعطل نحو 600 ألف برميل يوميا حتى نهاية 2027، حتى بعد استعادة الجزء الأكبر من الإنتاج، مع تقدير متوسط سعر خام برنت عند نحو 85 دولارا للبرميل خلال الربع الثالث من 2026، قبل تراجعه إلى نحو 78 دولارا في الربع الأخير مع تحسن حركة الملاحة وإعادة بناء المخزونات.

أزمة الشحن قد تطول أكثر من أزمة النفط

تكشف التطورات الحالية أن الأسواق قد تتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة عن قطاع النقل البحري. فمجرد ظهور مؤشرات على إمكانية التهدئة يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى التراجع، لكن شركات الشحن لا تستطيع إعادة بناء قدرتها التشغيلية بالسرعة نفسها.

فحتى في حال تحسن الوضع الأمني، ستحتاج حركة التجارة إلى وقت لاستعادة مساراتها المعتادة، كما ستظل شركات النقل مطالبة بتسعير مخاطر الحرب والتأمين والانتظار وطول الرحلات.

ولهذا فإن الخطر الأكبر بالنسبة إلى أسواق الطاقة لا يتمثل فقط في ارتفاع سعر النفط، وإنما في استمرار اختناق طرق النقل لفترة طويلة، بما قد يرفع تكلفة إيصال الخام والوقود إلى المستهلكين حتى في حال تراجع أسعار البرميل.

وتشير تحذيرات «تورم» إلى أن الرهان على تسوية سريعة قد يكون محفوفا بالمخاطر، خصوصا إذا استمرت القيود على مضيق هرمز، لأن استمرار الأزمة سيبقي قطاع الشحن تحت ضغط ويجعل إعادة تنظيم تجارة الطاقة العالمية أمرا أكثر كلفة وتعقيدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى