دولية

هل كانت حرب إيران أسوأ قرار أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية؟ 4 أخطاء استراتيجية أضعفت نفوذ واشنطن

إذا كان تقييم أسوأ القرارات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية يستند إلى حجم الضرر الذي أصاب هيبة واشنطن، وتراجع قدرتها على الردع، واتساع نفوذ خصومها، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لملف الحرب مع إيران تقدم، وفقا للمحلل السياسي الفرنسي بيير هاسكي، نموذجا صارخا على ما يمكن وصفه بإخفاق استراتيجي واسع.

ويرى هاسكي أن واشنطن دخلت مواجهة عسكرية لم تمتلك لها مسارا واضحا نحو النهاية، فتحولت القوة الأمريكية من أداة لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى وسيلة لإدارة صراع مفتوح، أشبه بـ”شجار في الحانات”؛ ضربات متتالية دون هدف نهائي واضح أو تصور مقنع لكيفية إنهاء المواجهة.

وبحسب هذا الطرح، يمكن رصد أربعة مظاهر رئيسية للانتكاسة الأمريكية.

أولا: “كارثة فرساي” والتنازلات التي لم تحقق أهدافها

يضع هاسكي ما جرى في قمة مجموعة السبع ضمن أبرز مؤشرات الارتباك الدبلوماسي الأمريكي، خصوصا بعد توقيع ترمب مذكرة تفاهم في فرساي تضمنت التخلي عن عشرات المليارات من الدولارات من الأرصدة الإيرانية المجمدة، مقابل تعهدات مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز ومنح مهلة للتفاوض بشأن الملف النووي.

لكن هذه التفاهمات، وفقا للتحليل، لم تؤد إلى تسوية مستقرة للأزمة، كما أن المهلة المحددة للمفاوضات النووية لم تلتزم بها الأطراف.

ويرى هاسكي أن تقديم تنازلات بهذا الحجم من دون ضمانات واضحة أو نتائج سياسية ملموسة أظهر الولايات المتحدة باعتبارها طرفا مستعدا لتقديم أوراق قوة دون الحصول على مقابل استراتيجي كاف.

والنتيجة، من وجهة نظره، لم تكن إضعاف الموقف الإيراني، بل منح التيار الأكثر تشددا داخل إيران فرصة للاستنتاج بأن الضغوط الأمريكية يمكن احتواؤها وأن واشنطن ليست مستعدة لتحمل كلفة التصعيد إلى نهايته.

ثانيا: العقوبات الأمريكية أمام اختبار الصين

المظهر الثاني للانتكاسة يتعلق بأحد أهم أدوات النفوذ التي اعتمدت عليها واشنطن خلال العقود الماضية، وهي العقوبات الاقتصادية.

فعندما هددت الإدارة الأمريكية الدول التي تشتري النفط الإيراني بعقوبات، اصطدمت بموقف صيني رافض للانصياع الكامل للضغوط الأمريكية.

وبكين، وفقا لهاسكي، تعاملت مع العقوبات باعتبارها قرارات أحادية الجانب لا تستند بالضرورة إلى تفويض من مجلس الأمن، ولذلك لم تجد نفسها ملزمة بتطبيقها.

الأكثر دلالة، بحسب هذا التحليل، أن إدارة ترمب تراجعت عن معاقبة مؤسسات صينية رغم تهديداتها السابقة، خشية الدخول في مواجهة اقتصادية واسعة مع بكين في توقيت حساس.

وأرسل هذا التراجع إشارة تتجاوز الملف الإيراني نفسه، إذ كشف أن قدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها المالي والاقتصادي ليست مطلقة، وأن فاعلية العقوبات تصبح أكثر محدودية عندما تواجه قوة اقتصادية كبرى تمتلك القدرة والاستعداد لتحمل الضغوط الأمريكية.

ثالثا: عزل واشنطن بدلا من عزل طهران

كان الهدف التقليدي للضغط الأمريكي على إيران يتمثل في تضييق هامش حركتها الدولية ودفع حلفائها وشركائها المحتملين إلى الابتعاد عنها، لكن هاسكي يرى أن النتائج جاءت في الاتجاه المعاكس.

فبدلا من عزل طهران، ساهمت التطورات في تعزيز تقاربها مع قوى دولية منافسة للولايات المتحدة، وفي مقدمتها روسيا والصين.

وظهر ذلك، وفقا للتحليل، في مشاركة إيران بصفة عضو كامل في قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافتها العاصمة القرغيزية بيشكيك، حيث جلست إلى جانب روسيا والصين ودول أخرى بينها تركيا والهند.

وتكتسب هذه الصورة أهمية رمزية كبيرة، لأنها تعكس انتقال إيران من موقع الدولة التي تسعى واشنطن إلى عزلها إلى طرف حاضر في أطر تعاون تجمعها بقوى كبرى ودول إقليمية مؤثرة.

ويرى هاسكي أن البيان الختامي للقمة شكل ضربة إضافية للهيبة الأمريكية، بعدما تضمن إدانة لمقتل قيادي إيراني في ضربة أمريكية، بما عكس اتساع دائرة الاعتراض الدولي على سلوك واشنطن.

وبذلك، لم تعد المشكلة، وفقا لهذا التصور، مقتصرة على عدم تحقيق أهداف الضغط الأمريكي، وإنما امتدت إلى منح الخصوم فرصة لبناء خطاب وتحالفات أكثر تحديا للنفوذ الأمريكي.

رابعا: القوة العسكرية بلا استراتيجية للخروج

المعضلة الأعمق، في نظر هاسكي، تتعلق بالجانب العسكري، إذ إن امتلاك التفوق الجوي والصاروخي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نتيجة سياسية نهائية.

وتجسد الحرب مع إيران، وفقا لهذا الطرح، المقولة العسكرية المعروفة بأن إشعال الحرب أسهل بكثير من إنهائها.

فقد استخدمت واشنطن قوتها الجوية لضرب أهداف إيرانية، وسط سقوط ضحايا مدنيين ووقوع أحداث أثارت انتقادات واسعة، في وقت تصاعدت فيه التهديدات الأمريكية لتشمل خيارات شديدة الخطورة.

لكن الضربات الجوية، مهما بلغت قوتها، لم تحسم السؤال الأساسي: كيف يمكن إجبار النظام الإيراني على الاستسلام لشروط واشنطن، أو دفعه إلى تغيير سلوكه، ثم الانتقال إلى تسوية تحفظ المصالح الأمريكية؟

وهنا ظهرت مشكلة “استراتيجية الخروج”.

فإيران تستطيع، وفقا لهذا التحليل، تقديم مجرد بقائها في مواجهة الهجمات الأمريكية باعتباره إنجازا سياسيا، بينما تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: استمرار الحرب يعني ارتفاع الكلفة والمخاطر، وإنهاؤها من دون مكاسب واضحة قد يبدو بمثابة تراجع.

وهذا النوع من الحروب يضع القوة العظمى أمام مأزق كلاسيكي؛ إذ لا يكفي الانتصار في المعارك الجوية لإنتاج انتصار سياسي، خصوصا عندما يمتلك الطرف الآخر القدرة على الصمود واستمرار القتال ورفض الشروط المفروضة عليه.

من أخطاء تكتيكية إلى أزمة استراتيجية

الخلاصة التي يصل إليها هاسكي هي أن ما حدث لا يمكن اختزاله في سلسلة من الأخطاء التكتيكية أو القرارات السيئة المنفصلة، وإنما يمثل، بحسب قراءته، خللا في طريقة إدارة القوة الأمريكية للصراع بأكمله.

فالتنازلات الدبلوماسية لم تنتج تسوية مستقرة، والعقوبات واجهت حدودها أمام الصين، ومحاولة عزل إيران ساهمت في دفعها نحو مزيد من التقارب مع خصوم واشنطن، بينما لم تستطع القوة العسكرية وحدها إنتاج نهاية حاسمة للحرب.

وبهذا المعنى، يرى هاسكي أن إدارة ترمب دفعت الولايات المتحدة إلى مواجهة كشفت حدود أدوات القوة التي طالما اعتمدت عليها واشنطن: الهيمنة الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، والضغط الجيوسياسي، والتفوق العسكري.

ومن وجهة نظره، فإن خطورة هذه النتائج لا تكمن في الخسائر المباشرة للحرب فحسب، بل في الرسالة التي يمكن أن تصل إلى الخصوم والحلفاء معا: الولايات المتحدة لا تزال تمتلك قوة هائلة، لكنها قد تجد صعوبة متزايدة في تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستدامة عندما تواجه دولا كبرى أو خصوما قادرين على الصمود.

وهنا تكمن، وفقا لهذا التحليل، طبيعة “الخطيئة الاستراتيجية”: ليس في أن واشنطن استخدمت القوة، وإنما في أنها استخدمتها من دون امتلاك تصور واضح لما بعد استخدامها، الأمر الذي قد يحول التفوق العسكري من مصدر للردع إلى عامل يستنزف النفوذ ويمنح الخصوم مساحة أوسع للمناورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى