ثقافة

اختبارات حساسية الطعام بالدم.. هل تكشف فعلا الأطعمة التي يرفضها الجسم؟

تبدو الفكرة بسيطة ومغرية: عينة دم واحدة تُرسل إلى المختبر، وبعد أيام يحصل الشخص على تقرير مفصل يصنف عشرات الأطعمة وفق ألوان مختلفة؛ الأخضر لما يمكن تناوله، والأصفر لما يُنصح بتقليله، والأحمر لما يُفترض أنه يسبب مشكلات للجسم.

وقد تظهر في القائمة أطعمة شائعة مثل الحليب والبيض والقمح والقهوة والطماطم، إلى جانب وعد بالتخلص من أعراض مزعجة كالبطن المنتفخ والصداع والإرهاق واضطرابات الهضم، وربما ما يوصف أحيانا بـ”ضبابية الدماغ”.

وتلقى هذه الاختبارات رواجا لأنها تقدم حلا يبدو سهلا لمشكلة معقدة. فبدلا من زيارة أطباء متعددين وإجراء فحوص مختلفة وتجربة أنظمة غذائية متعاقبة، يوحي الاختبار بأن قطرة من الدم يمكن أن تحدد الأطعمة المسؤولة عن الأعراض.

لكن المظهر العلمي للتقرير، بما يتضمنه من أرقام ورسوم بيانية وقياسات لأجسام مضادة، لا يكفي وحده لإثبات دقته التشخيصية. والسؤال الأهم ليس ما إذا كان المختبر يستطيع قياس مادة معينة في الدم، وإنما ما إذا كانت هذه المادة تخبرنا بالفعل بأن طعاما محددا هو سبب الأعراض.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ إذ توجد فجوة بين قدرة المختبر على رصد استجابة مناعية وبين القدرة على إثبات أن هذه الاستجابة تعني وجود حساسية أو عدم تحمل غذائي.

الأجسام المضادة ليست دليلا تلقائيا على المرض

الأجسام المضادة، المعروفة أيضا باسم الغلوبولينات المناعية، هي بروتينات ينتجها الجهاز المناعي، وخاصة الخلايا البائية والخلايا البلازمية. وترتبط هذه البروتينات بمواد محددة تعرف باسم المستضدات، ويمكن أن تكون جزءا من فيروس أو بكتيريا أو مادة غريبة أو حتى بروتينا موجودا في الطعام.

وتختلف الأجسام المضادة في أنواعها ووظائفها، ومن أبرزها IgE وIgG وIgA وIgM. ولكل نوع دور مختلف داخل الجهاز المناعي.

وفي بعض أشكال الحساسية الغذائية الفورية، تلعب الأجسام المضادة من نوع IgE دورا رئيسيا، وقد تظهر على الشخص أعراض مثل الطفح الجلدي أو الشرى، وتورم الوجه أو الشفتين، والقيء أو صعوبة التنفس، وقد تتطور بعض الحالات إلى تفاعل تحسسي شديد.

أما العثور على أجسام مضادة من نوع IgG تجاه طعام معين، فلا يعني في حد ذاته أن هذا الطعام يسبب مشكلة صحية. فقد يكون وجودها انعكاسا طبيعيا لتعرض الجسم لذلك الطعام بصورة متكررة.

فالجهاز المناعي يتعامل باستمرار مع مكونات الطعام، ومن الطبيعي أن تتشكل استجابات مناعية تجاه بعض البروتينات الغذائية. لذلك فإن مجرد العثور على جسم مضاد لا يكفي لتحديد ما إذا كان الشخص يعاني مرضا أو حساسية أو عدم تحمل.

وتحتاج النتيجة إلى تفسير يأخذ في الاعتبار نوع الجسم المضاد ومستواه والتاريخ المرضي والأعراض والعلاقة الزمنية بين تناول الطعام وظهورها.

الحساسية ليست هي عدم التحمل

يزداد الالتباس عندما تستخدم بعض الجهات التجارية مصطلحات مثل “الحساسية الغذائية” و”عدم تحمل الطعام” و”التفاعل الغذائي” وكأنها تشير إلى حالة واحدة، في حين أن بينها اختلافات طبية مهمة.

فالحساسية الغذائية هي استجابة مناعية تجاه مكوّن معين من الطعام، وقد تكون سريعة وشديدة في بعض الحالات. أما عدم تحمل الطعام فلا يكون بالضرورة ناجما عن الجهاز المناعي.

ومن الأمثلة المعروفة على ذلك عدم تحمل اللاكتوز، الذي يحدث عندما لا ينتج الجسم كمية كافية من إنزيم اللاكتاز الضروري لهضم سكر الحليب. وقد يؤدي تناول اللاكتوز لدى الأشخاص المتأثرين إلى الغازات والانتفاخ والإسهال، وتختلف شدة الأعراض بحسب الكمية وقدرة الجهاز الهضمي على التعامل معها.

وهناك أيضا حالات مختلفة تماما، مثل مرض السيلياك، وهو اضطراب مناعي ذاتي يرتبط بتناول الغلوتين لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة به.

أما متلازمة القولون العصبي فهي اضطراب يرتبط بالتفاعل بين الدماغ والجهاز الهضمي، وقد تتأثر أعراضها بأنواع معينة من الأطعمة أو بكميات الطعام وبعض الكربوهيدرات القابلة للتخمر.

وبالتالي فإن وجود أعراض مثل الانتفاخ أو الصداع أو الإرهاق لا يعني تلقائيا وجود حساسية غذائية، لأن هذه الأعراض قد تكون لها أسباب متعددة.

ماذا تكشف اختبارات IgG؟

تعتمد بعض الاختبارات التجارية المنتشرة على قياس الأجسام المضادة من نوع IgG، أو أحد أنواعها الفرعية مثل IgG4، تجاه عدد كبير من الأطعمة.

وبعد إجراء التحليل، يحصل الشخص على قائمة تتضمن عشرات الأطعمة، وربما أكثر من مئة، مصنفة وفقا لمستويات الأجسام المضادة التي رصدها المختبر.

لكن المشكلة أن ارتفاع IgG تجاه طعام ما لا يثبت أن تناوله يؤدي إلى ظهور أعراض لدى الشخص.

بل إن وجود هذه الأجسام المضادة يمكن أن يكون ببساطة مؤشرا على أن الجسم تعرض لذلك الطعام وتفاعل معه مناعيا بصورة طبيعية. وفي بعض السياقات، قد يرتبط IgG4 بتطور التحمل تجاه الطعام، وليس بعدم تحمله.

وهذا يعني أن النتيجة قد تخبر الشخص، بصورة غير مباشرة، عن الأطعمة التي يتعرض لها كثيرا، بدلا من أن تحدد بالضرورة الأطعمة التي تسبب له المرض.

كما أن قدرة المختبر على قياس مادة معينة لا تجعل القياس اختبارا تشخيصيا معتمدا. ولكي يكون الاختبار مفيدا سريريا، يجب أن توجد أدلة قوية تثبت قدرته على التمييز بين الأشخاص الذين يتسبب لهم طعام معين في أعراض وأولئك الذين يتناولونه دون مشكلة.

وتحتاج هذه النتائج كذلك إلى أن تتوافق مع الأعراض وأن يتم التحقق منها من خلال تقييم طبي مناسب، وليس بمجرد وضع عشرات الأطعمة في قوائم الحظر.

لماذا تحذر المؤسسات الطبية من هذه الاختبارات؟

تحذر جهات متخصصة في الحساسية والمناعة من استخدام اختبارات IgG التجارية لتشخيص حساسية الطعام أو عدم تحمله.

وتستند هذه التحذيرات إلى أن وجود IgG تجاه مكونات غذائية شائع وقد يعكس التعرض الطبيعي للطعام، وبالتالي فإن تفسيره على أنه دليل على وجود مشكلة غذائية قد يقود إلى استنتاجات خاطئة.

كما أن بعض الأشخاص قد يتوقفون عن تناول عدد كبير من الأطعمة استنادا إلى نتيجة الاختبار، من دون حاجة طبية حقيقية، وهو ما قد يجعل النظام الغذائي أكثر تقييدا مما ينبغي.

ولا تقتصر التحذيرات على تحاليل IgG؛ إذ تنتشر أيضا اختبارات أخرى تدعي اكتشاف الحساسية الغذائية بوسائل غير مثبتة، ومنها بعض اختبارات الشعر، واختبارات الحركة التطبيقية، وبعض الاختبارات الكهربائية أو الطرق البديلة التي تزعم تحديد الأطعمة المسببة للأعراض.

وقد أوصت إرشادات طبية بريطانية بعدم الاعتماد على عدد من هذه الأساليب في تشخيص حساسية الطعام لدى الأطفال والشباب.

هل التحسن بعد الحمية يثبت صحة الاختبار؟

قد يلجأ شخص إلى أحد هذه الاختبارات، ثم يحذف الأطعمة التي صنفها التقرير ضمن الفئة الحمراء، وبعد فترة يشعر بتحسن واضح.

وقد يبدو ذلك دليلا مباشرا على أن الاختبار نجح في تحديد الأطعمة التي كانت تسبب المشكلة، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

فعندما يحذف الشخص عشرة أو عشرين نوعا من الطعام في الوقت نفسه، فمن الممكن أن يكون أحدها بالفعل سببا في تفاقم الأعراض، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الاختبار نجح في تحديده من خلال قياس IgG.

كما أن الحمية الجديدة قد تؤدي إلى تغييرات أخرى. فقد يتوقف الشخص عن تناول الوجبات السريعة أو الأطعمة شديدة التصنيع، أو يقلل من حجم وجباته، أو يتجنب بعض الكربوهيدرات القابلة للتخمر، أو يصبح أكثر انتظاما في مواعيد الطعام.

وكل هذه العوامل يمكن أن تؤثر في الأعراض، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات وظيفية في الجهاز الهضمي.

إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأعراض مثل الصداع واضطرابات القولون قد تتغير بصورة طبيعية من فترة إلى أخرى. وقد يصادف إجراء الاختبار مرحلة تكون فيها الأعراض شديدة، ثم تتحسن لاحقا حتى من دون علاقة مباشرة بالأطعمة المحذوفة.

ولا يمكن تجاهل تأثير التوقع النفسي أيضا؛ إذ قد يشعر الشخص بتحسن عندما يعتقد أنه اكتشف أخيرا سبب معاناته، وهو ما يجعل تقييم فعالية الاختبار بحاجة إلى تجارب علمية مضبوطة.

دراسة حديثة تقدم نتيجة مختلفة ولكنها محدودة

رغم الانتقادات الواسعة لبعض اختبارات IgG، فإن الصورة العلمية ليست خالية تماما من الدراسات التي أظهرت نتائج مثيرة للاهتمام.

ففي عام 2025 نشرت مجلة “Gastroenterology” دراسة عشوائية مزدوجة التعمية ومضبوطة بحمية وهمية، شملت 238 شخصا بالغا مشخصا بمتلازمة القولون العصبي.

واستخدم الباحثون اختبارا مخصصا لهذه الفئة من المرضى، يقيس الاستجابة تجاه 18 نوعا من الطعام، ثم قارنوا بين مجموعة اتبعت حمية إقصائية موجهة وفقا لنتيجة الاختبار ومجموعة أخرى اتبعت حمية وهمية لمدة ثمانية أسابيع.

وأظهرت النتائج، وفقا للتحليل المعدل، أن 59.6% من المشاركين في المجموعة التي تلقت الحمية الموجهة بالاختبار حققوا انخفاضا في ألم البطن وفق المعيار المحدد مسبقا، مقابل 42.1% في المجموعة الضابطة.

وتعد هذه النتيجة جديرة بالاهتمام، لكنها لا تعني أن جميع اختبارات الحساسية الغذائية التجارية أصبحت أدوات تشخيصية مثبتة.

فالاختبار الذي استخدم في الدراسة كان أداة محددة جرى تقييمها لدى أشخاص مشخصين بمتلازمة القولون العصبي، ولم تكن الدراسة اختبارا عاما لكل حزم IgG المتاحة في الأسواق، ولا سيما تلك التي تفحص مئة أو مئتي نوع من الأطعمة لدى أشخاص من عامة السكان.

كما أن النتيجة لا تعني أن كل طعام ظهرت تجاهه استجابة إيجابية في التحليل يمثل سببا مؤكدا للأعراض.

المشكلة ليست في التحليل وحده بل في تفسير النتيجة

تكمن إحدى أهم المشكلات في الطريقة التي تقدم بها هذه الاختبارات للمستهلك. فالتقرير المليء بالأرقام والمخططات قد يمنح انطباعا بأن النتيجة تشخيص طبي قاطع.

لكن القيمة الطبية لأي تحليل لا تتحدد بقدرته على إنتاج أرقام دقيقة فقط، وإنما بمدى ارتباط هذه الأرقام بالحالة التي يفترض أن يكشفها الاختبار.

وقد يؤدي تحويل كل ارتفاع في جسم مضاد إلى “طعام ممنوع” إلى نتائج عكسية، خصوصا عندما يخرج الشخص بقائمة طويلة من الأطعمة التي ينبغي تجنبها.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى حرمان الشخص من مجموعات غذائية مهمة أو إلى اتباع نظام غذائي شديد التقييد دون إشراف متخصص.

لذلك فإن وجود أعراض مستمرة بعد تناول الطعام لا ينبغي أن يقود مباشرة إلى شراء اختبار تجاري واسع، بل إلى تقييم طبي يحدد طبيعة المشكلة أولا، ويفرق بين الحساسية الحقيقية وعدم التحمل والأمراض الهضمية وغيرها من الأسباب المحتملة.

كيف يكون تشخيص حساسية الطعام أكثر دقة؟

يعتمد تقييم الحساسية الغذائية الحقيقية على مجموعة من المعطيات، تبدأ عادة بالتاريخ المرضي الدقيق: ما الطعام الذي تناوله الشخص؟ وما الكمية؟ ومتى ظهرت الأعراض؟ وما طبيعتها؟ وهل تكررت عند تناول الطعام نفسه؟

وقد يستخدم الطبيب، وفقا للحالة، اختبارات جلدية أو تحاليل دم تقيس أجساما مضادة من نوع IgE تجاه مواد غذائية محددة.

لكن حتى هذه الاختبارات لا ينبغي تفسيرها بمعزل عن الأعراض والتاريخ المرضي، لأن النتيجة الإيجابية لا تعني دائما أن الشخص سيصاب بأعراض عند تناول الطعام.

وفي حالات محددة وتحت إشراف طبي متخصص، يمكن اللجوء إلى اختبار التحدي الغذائي الفموي، الذي يعد من الطرق المهمة لتأكيد أو استبعاد الحساسية الغذائية عندما يكون ذلك مناسبا وآمنا.

أما إذا كان الاشتباه في عدم تحمل طعام معين، فقد تختلف طريقة التشخيص تماما، وقد تعتمد على طبيعة المشكلة نفسها، مثل تقييم تحمل اللاكتوز أو البحث عن مرض السيلياك أو دراسة العلاقة بين بعض الأطعمة وأعراض القولون العصبي.

الخلاصة: تقرير ملون لا يساوي تشخيصا طبيا

تبدو اختبارات الدم التي تصنف الأطعمة إلى أخضر وأصفر وأحمر وكأنها تقدم إجابة سهلة لسؤال معقد: لماذا أشعر بالتعب أو الانتفاخ أو الصداع بعد تناول الطعام؟

لكن وجود أجسام مضادة تجاه طعام معين لا يكفي وحده لإثبات أن هذا الطعام هو سبب الأعراض، وخصوصا عندما يتعلق الأمر باختبارات IgG التجارية العامة.

وقد تكون بعض الحميات الإقصائية مفيدة لأشخاص محددين، كما تشير بعض الأبحاث الحديثة، لكن ذلك لا يعني صحة جميع الاختبارات أو القوائم التجارية التي تعتمد على قياسات الأجسام المضادة.

والفارق الأساسي هنا هو بين قياس استجابة مناعية وبين إثبات أنها السبب في أعراض مرضية.

لذلك، فإن التعامل مع الحساسية أو عدم تحمل الطعام يحتاج إلى تشخيص يستند إلى الأعراض والتاريخ الطبي والفحوص المناسبة، بدلا من اعتبار نتيجة اختبار تجاري واحد حكما نهائيا على عشرات الأطعمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى