دولية

أميركا تقيد تصدير «الكتلة السوداء» لمواجهة هيمنة الصين على معادن البطاريات

اتخذت الولايات المتحدة خطوة جديدة لتعزيز أمن إمدادات المعادن الإستراتيجية ودعم صناعة إعادة تدوير البطاريات محليا، في ظل تصاعد المنافسة مع الصين على المواد الخام الضرورية لصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات.

وأصدر مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية قرارا يقيد تصدير «الكتلة السوداء» ومخلفات التنغستن لمدة عام، في مسعى إلى إبقاء هذه المواد داخل السوق الأميركية وتقليل اعتماد البلاد على سلاسل الإمداد الخارجية، وفي مقدمتها الصين.

وصدر القرار في 6 أغسطس/آب 2026، على أن يدخل حيز التنفيذ في 27 من الشهر نفسه، ويلزم الشركات بتخصيص كامل مبيعاتها الشهرية من هذه المواد للمشترين داخل الولايات المتحدة، مع إمكانية طلب استثناء أو تعديل من مكتب الصناعة والأمن.

ولا ينظر القرار إلى مخلفات البطاريات باعتبارها مجرد قضية بيئية مرتبطة بإعادة التدوير، بل يضعها في إطار أوسع يتعلق بالأمن الصناعي والسيطرة على المواد الخام الحيوية.

من نفايات البطاريات إلى مخزون من المعادن الإستراتيجية

تتكون «الكتلة السوداء» بعد تفريغ بطاريات الليثيوم أيون المستعملة وتفكيكها وتقطيعها، ثم تتحول إلى مسحوق داكن يحتوي على نسب مرتفعة من المواد المستخدمة في مكونات البطارية، بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والنيكل والمنغنيز والغرافيت، إلى جانب بعض الشوائب مثل الفلور والفوسفور وبقايا الإلكتروليتات.

وتكمن أهمية هذه المادة في إمكانية إخضاعها لعمليات تكرير واستخلاص لاستعادة المعادن الموجودة فيها، وهو ما يجعلها مصدرا مركزا للمواد الخام قد تتجاوز فيه تركيزات بعض المعادن تلك الموجودة في خامات طبيعية مستخرجة من المناجم.

وتعتمد صناعة إعادة التدوير حاليا على مسارين رئيسيين لاستخلاص هذه العناصر، أولهما المعالجة الحرارية التي تعتمد على الصهر في درجات حرارة مرتفعة، وثانيهما المعالجة المائية التي تستخدم محاليل وكواشف كيميائية لاستخلاص المعادن وفصلها وتنقيتها.

ورغم أن المعالجة المائية أكثر تعقيدا من الناحية التقنية، فإنها يمكن أن تحقق معدلات استرداد مرتفعة لعدد من المعادن، وقد أظهرت عمليات هيدروميتالورغية وتجارب مخبرية إمكانية استعادة أكثر من 95% من بعض العناصر في ظروف محددة.

وهذا ما يمنح «الكتلة السوداء» قيمة تتجاوز مفهوم المخلفات، لتتحول إلى نوع من المخزون المعدني الموجود فوق سطح الأرض ويمكن استعادته بدلا من استخراج كميات جديدة من المناجم.

التدوير يتحول إلى قضية جيوسياسية

لا يعني الاعتماد على إعادة تدوير البطاريات الاستغناء عن التعدين التقليدي، لكنه يمكن أن يقلل مستقبلا الحاجة إلى جزء من المواد المستخرجة حديثا، كما يتيح للدول استعادة معادن استراتيجية من بطاريات موجودة بالفعل داخل أسواقها.

ومن هنا تبرز الأهمية الجيوسياسية لقطاع إعادة التدوير، إذ إن الدولة التي تتمكن من السيطرة على عمليات جمع البطاريات وتفكيكها وتدويرها وتكريرها تستطيع بناء مصدر محلي للمواد الخام، بدلا من الاعتماد الكامل على الواردات أو المناجم الخارجية.

وتسعى الولايات المتحدة من خلال القيود الجديدة إلى منع خروج هذه المواد من أراضيها، والحفاظ عليها كمدخل أساسي يمكن أن يغذي سلسلة صناعية محلية تشمل إعادة التدوير والتكرير وتصنيع البطاريات.

الصين تفرض هيمنتها على سلسلة البطاريات

تمتلك الصين نفوذا واسعا على مختلف مراحل صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، ولم تقتصر هيمنتها على تصنيع الخلايا والبطاريات، بل امتدت إلى معالجة المواد المستخرجة من البطاريات المستعملة وإعادة تدويرها.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين استحوذت خلال عام 2025 على أكثر من 80% من الطاقة العالمية لتصنيع خلايا البطاريات، كما تجاوزت حصتها 80% من الإنتاج العالمي للخلايا، إلى جانب إنتاج نحو 85% من مواد الكاثود وأكثر من 90% من مواد الأنود المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية.

وتعزز هذه الهيمنة من خلال امتلاك الصين قاعدة صناعية ضخمة تشمل مصانع البطاريات وشركات التدوير ومراكز التكرير والموردين وشبكات النقل والعمالة المتخصصة، ما يمنحها ميزة تراكمية يصعب على المنافسين بناء بديل مماثل لها في وقت قصير.

وتوقعت مؤسسة «بنشمارك مينرالز إنتليجنس» أن تستحوذ الصين خلال 2025 على نحو 78% من الطاقة العالمية لمرحلة المعالجة الأولية، إضافة إلى نحو 89% من طاقة تكرير «الكتلة السوداء» وتحويلها إلى مواد كيميائية يمكن استخدامها مجددا في تصنيع البطاريات.

بكين تستورد مخلفات البطاريات من الخارج

على الرغم من كون الصين أكبر منتج ومستهلك للبطاريات في العالم، فإن صناعة البطاريات الصينية تعتمد أيضا على واردات عدد من المعادن، من بينها الكوبالت والنيكل والمنغنيز والليثيوم.

ولهذا السبب أصبحت إعادة تدوير البطاريات المستعملة جزءا مهما من استراتيجية الصين لتأمين إمدادات المعادن وتقليل مخاطر الاعتماد على مصادر التعدين الخارجية.

وفي عام 2025، أعادت الصين تنظيم قواعد التعامل مع «الكتلة السوداء»، وسمحت باستيراد أنواع محددة منها تتجاوز فيها نسبة النيكل والكوبالت مجتمعين 25%، مع حد أدنى لمحتوى الليثيوم يبلغ 3.5%، ونسبة قصوى للفلورايد القابل للذوبان في الماء تبلغ 0.4%.

وتكشف هذه السياسة عن تحول لافت في مفهوم المخلفات الصناعية، إذ يمكن لمادة تعتبرها دولة ما نفايات تحتاج إلى التخلص منها أن تتحول في دولة أخرى إلى مادة خام ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية.

ومع تخفيف القيود على استيراد بعض أنواع «الكتلة السوداء»، باتت المصانع الصينية أكثر قدرة على استقطاب المواد القابلة لإعادة التدوير من الخارج، مستفيدة من وفرة قدرات التكرير والخبرات المتراكمة لديها.

نظام رقمي لمتابعة البطاريات

واصلت الصين خلال 2026 تعزيز منظومة تتبع بطاريات السيارات الكهربائية عبر مختلف مراحل دورة حياتها، بدءا من الإنتاج والبيع، مرورا بالصيانة والتفكيك، وصولا إلى إعادة التدوير.

كما عملت على وضع معايير وطنية تتعلق بجودة وسلامة «الكتلة السوداء»، بالتزامن مع فرض قيود تصديرية على بعض مكونات سلسلة توريد البطاريات.

وتمنح هذه الإجراءات الصين قدرة أكبر على تنظيم تدفقات المواد القابلة لإعادة التدوير وربطها بالمصانع التي تحتاج إليها، وهو ما يعزز موقعها كمركز رئيسي في سوق تدوير البطاريات عالميا.

أميركا والصين في سباق على النفايات الإستراتيجية

يعكس القرار الأميركي اتجاها متزايدا لدى الدول الصناعية نحو التعامل مع البطاريات المستعملة باعتبارها مصدرا للمواد الخام الإستراتيجية، وليس مجرد نفايات تحتاج إلى معالجة.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة مع النمو السريع لسوق السيارات الكهربائية، إذ ستتحول أعداد متزايدة من البطاريات المستعملة خلال السنوات المقبلة إلى مصدر ضخم للمعادن القابلة للاستعادة.

وفي المقابل، يحتاج إنشاء مناجم جديدة إلى سنوات طويلة من عمليات الاستكشاف والتراخيص والاستثمار وبناء البنية التحتية، فضلا عن التحديات البيئية والسياسية المرتبطة بالتعدين.

أما إعادة تدوير البطاريات، فتتيح الوصول إلى مواد موجودة بالفعل داخل الاقتصاد، ما يجعل «المخزون الحضري» من البطاريات المستعملة جزءا متزايد الأهمية من استراتيجيات تأمين المعادن.

وبذلك، تتحول «الكتلة السوداء» من مسحوق ناتج عن مخلفات البطاريات إلى ورقة صناعية وجيوسياسية في المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، بينما تحاول الولايات المتحدة بناء قدرة محلية تقلل اعتمادها على الصين، في وقت تسعى فيه بكين إلى ترسيخ تفوقها في معالجة هذه المواد والاستفادة منها على نطاق عالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى