معرض “احكيلي يا جنوب”.. ذاكرة الجنوب اللبناني تقاوم النسيان في بيت بيروت

في قلب العاصمة اللبنانية، يحتضن “بيت بيروت” معرض “احكيلي يا جنوب” الذي يحول الذاكرة الجماعية لأهالي الجنوب إلى تجربة ثقافية وإنسانية نابضة بالحياة، مستعيدًا قصص النزوح والحرب والعودة المؤجلة عبر شهادات حية وأعمال فنية وأرشيفية توثق تاريخًا لا يزال يُكتب حتى اليوم.
ويقام المعرض داخل المبنى الذي يحمل بدوره آثار الحرب الأهلية اللبنانية، ليشكل فضاءً تتلاقى فيه الذاكرة الفردية مع التاريخ الجماعي، ويمنح أبناء الجنوب فرصة لرواية حكاياتهم بأصواتهم بعيدًا عن الروايات التقليدية التي غالبًا ما تختزل المنطقة في صور الدمار والصراعات.
أرشيف حي يوثق حكايات الجنوب
يرتكز معرض “احكيلي يا جنوب” على مشروع أرشيفي مفتوح يجمع شهادات سكان القرى الجنوبية الذين عايشوا الاحتلال والحروب والنزوح، حيث لا يقتصر المحتوى على الوثائق التاريخية، بل يضم تسجيلات صوتية وصورًا شخصية ورسائل ومقتنيات احتفظ بها أصحابها باعتبارها رموزًا للبيوت والذكريات التي خلفوها وراءهم.
ويمنح هذا النهج الزوار فرصة للتعرف على الجنوب اللبناني من خلال التجارب الإنسانية اليومية، حيث تتحول الأشياء البسيطة، مثل مفاتيح المنازل والصور العائلية والرسائل المكتوبة بخط اليد، إلى شواهد حية على تاريخ طويل من الفقد والصمود.
الجنوب بين الذاكرة والحاضر
لا يكتفي المعرض باستحضار الماضي، بل يربط بين محطات تاريخية امتدت منذ عام 1982 وحتى اليوم، في محاولة لإظهار كيف تتكرر تجارب الحرب والنزوح عبر الأجيال، وكيف تظل آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
ويؤكد منظمو المعرض أن الهدف لا يتمثل في تقديم رواية واحدة عن الجنوب، وإنما إتاحة مساحة لسرد قصص متعددة ومتنوعة تعكس اختلاف التجارب الإنسانية، بحيث يخرج الزائر بانطباع أعمق عن المجتمع الجنوبي بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالحروب.
الخبز بوصفه ذاكرة وهوية
من بين أبرز المحطات التي يستوقف عندها الزوار ورشة إعداد الخبز التقليدي، والتي تشارك فيها نساء نازحات من قرى الجنوب اللبناني، حيث يتحول إعداد العجين والخبز إلى فعل يحمل أبعادًا تتجاوز الممارسة اليومية.
وتروي إحدى المشاركات كيف أعادت إليها عملية العجن والخبز ذكريات بيتها في قريتها الجنوبية، مؤكدة أن الجغرافيا قد تتغير، لكن تفاصيل الحياة التي عاشتها هناك لا تزال راسخة في الذاكرة.
وتوضح الكاتبة والمخرجة اللبنانية نادين توما، المشرفة على هذه الورشة، أن المبادرة تهدف إلى تمكين النساء النازحات وربطهن بتراثهن الثقافي، إضافة إلى تقديم تجربة تفاعلية تعكس ارتباط الإنسان بأرضه من خلال العادات والتقاليد اليومية.
أعمال فنية تحكي قصص النزوح
يضم المعرض مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية والأرشيفية التي تتناول موضوعات الاحتلال والحرب والنزوح والعودة، من خلال شهادات مسجلة وصور فوتوغرافية وأعمال تركيبية تعكس تجارب أهالي الجنوب خلال العقود الماضية.
ومن بين هذه الأعمال مشروع يحمل عنوان “بعد العشاء”، حيث تجتمع أربع نساء يروين تجاربهن الممتدة عبر عقود مختلفة، في سرد يوثق تحولات الحياة في الجنوب اللبناني منذ الاجتياح الإسرائيلي وحتى الأحداث الأخيرة.
وتمنح هذه الأعمال الزائر فرصة للاستماع إلى روايات أصحاب التجربة أنفسهم، بما يخلق تواصلًا مباشرًا مع الذاكرة الإنسانية بعيدًا عن السرد السياسي التقليدي.
مشاركة الزوار في صناعة الأرشيف
لا يقتصر دور الزائر على مشاهدة المعروضات، إذ يتيح المعرض مساحة تفاعلية يمكن من خلالها تدوين الذكريات الشخصية والرسائل والحكايات، لتصبح جزءًا من الأرشيف المفتوح الذي يسعى المشروع إلى بنائه وتطويره باستمرار.
ويهدف هذا النهج إلى تحويل الذاكرة من مادة محفوظة في الوثائق إلى تجربة جماعية يشارك الجميع في صياغتها، بما يضمن استمرار نقلها إلى الأجيال القادمة.
الجنوب يروي حكايته بنفسه
يرى القائمون على المعرض أن أهم ما يميزه هو منح أبناء الجنوب اللبناني حق رواية تاريخهم بأنفسهم، بعيدًا عن الاختزال أو الصور الجاهزة، حيث تظهر القرى والبلدات بوصفها أماكن مليئة بالحياة والثقافة والذاكرة، وليس فقط ساحات للحروب.
ويؤكد منظمو المشروع أن المعرض يمثل محاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية في مواجهة النسيان، من خلال توثيق القصص الإنسانية التي صنعت هوية الجنوب اللبناني، وإبراز قدرة سكانه على التمسك بتراثهم رغم سنوات النزوح والدمار.
مساحة ثقافية لمقاومة النسيان
يشكل معرض “احكيلي يا جنوب” نموذجًا ثقافيًا يوثق تاريخ الجنوب اللبناني عبر أصوات أبنائه، جامعًا بين الفن والأرشيف والشهادات الحية في تجربة تفاعلية تعيد الاعتبار للذاكرة الإنسانية.
وبين الصور والمقتنيات والقصص الشخصية، ينجح المعرض في تقديم الجنوب بوصفه فضاءً نابضًا بالحياة والثقافة، ويؤكد أن الحفاظ على الذاكرة يمثل خطوة أساسية في مواجهة آثار الحروب وصون الهوية للأجيال القادمة.





