ثقافة

محمد ﷺ في الأدب الأوروبي.. كيف قرأ غوته وكارلايل وهوغو سيرة النبي ورسالته؟

من نبع يتدفق من أعالي الجبال، إلى نهر تتجمع فيه الجداول قبل أن يمضي نحو البحر، ومن شخصية رأى فيها توماس كارلايل نموذجا للصدق وصناعة التاريخ، إلى نبي يستحضره فيكتور هوغو في لحظات الشيخوخة واقتراب الموت؛ حضرت شخصية محمد ﷺ في أعمال ثلاثة من أبرز أدباء أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وعلى الرغم من اختلاف غوته وكارلايل وهوغو في اللغات والبيئات والتجارب الأدبية، فإن أعمالهم تلتقي عند محاولة الاقتراب من شخصية النبي من خلال الشعر والفكر والتاريخ، بدلا من حصر صورته في إطار السجالات الدينية التي طبعت جانبا من التلقي الأوروبي في مراحل سابقة.

وتقدم أعمالهم ثلاث صور مختلفة لمحمد ﷺ؛ فغوته استعان بالماء والنهر رمزا لانتشار الرسالة، بينما جعل كارلايل الصدق والإخلاص مدخلا لفهم شخصية النبي، في حين اختار هوغو السنوات الأخيرة من حياته، حيث يلتقي الوقار الروحي مع الشيخوخة والموت.

وتثير هذه الأعمال سؤالا أوسع من مجرد الإعجاب الأدبي: كيف تشكلت صورة النبي في كتابات هؤلاء الأدباء، وماذا تكشف قراءاتهم عن حضور الإسلام ومحمد ﷺ في المخيال الأوروبي؟

غوته.. الرسالة التي تحولت إلى نهر

كتب يوهان فولفغانغ فون غوته في مطلع شبابه قصيدته “نشيد محمد”، وذلك في إطار مشروع مسرحي عن النبي لم يكتمل. ولم يتجه الشاعر إلى إعادة سرد السيرة النبوية أو تقديم وصف مباشر لشخصية محمد ﷺ، بل اختار استعارة شعرية تصور ظهور الرسالة واتساع تأثيرها.

ويرى الباحث والناقد المغربي حسن الطالب أن أبرز ما يميز القصيدة هو ابتعاد غوته عن السرد المباشر للسيرة والمناقب، واعتماده صورة الماء للتعبير عن مسار الدعوة وانتشارها.

تبدأ الصورة من نبع صغير يتفجر بين صخور الجبال، صافيا ومضيئا، ثم ينطلق في طريقه، قبل أن تلتحق به الجداول تباعا، حتى يتحول إلى نهر كبير يحمل معه “إخوته” في اتجاه المحيط.

وفي قراءة الطالب، ترمز الجداول إلى الأشخاص الذين استجابوا للدعوة، بينما يعكس اتساع النهر تنامي قوة الرسالة وانتقال تأثيرها من فرد إلى آخر ومن مكان إلى آخر.

وبذلك يصبح النبع صورة لبداية الدعوة، فيما يمثل النهر اتساعها وتراكم أثرها. ولا تكمن أهمية هذه الاستعارة في جمالها الشعري فحسب، وإنما في الطريقة التي اختار بها غوته التعبير عن النبي من خلال الأثر الذي أحدثته رسالته، لا عبر وصف شخصه بصورة مباشرة.

كارلايل.. الصدق بوصفه أساس البطولة

بعد عقود من تجربة غوته، سلك المؤرخ والكاتب الإسكتلندي توماس كارلايل مسارا مختلفا في تناوله لشخصية النبي. ففي محاضرته “البطل في صورة نبي”، التي ألقاها ضمن كتابه “الأبطال وعبادة البطولة” الصادر عام 1840، وضع محمد ﷺ ضمن تصوره العام لفكرة البطل ودوره في صناعة التاريخ.

وتوضح الباحثة والناقدة الجزائرية نسيمة زمالي أن كارلايل جعل الصدق والإخلاص محورين أساسيين في فهمه لشخصية النبي، ورفض التفسيرات التي ربطت ظهور الإسلام بالسيف أو الخديعة أو مجرد المصادفة التاريخية.

ويقدم كارلايل حجة تقوم على مقارنة بسيطة؛ فإذا كان الإنسان الكاذب لا يستطيع تشييد بيت من الطوب من دون أن يدرك خصائص مواده، فكيف يمكن لرجل مخادع أن يؤسس أمة ودينا يمتد تأثيرهما عبر قرون؟

ومن خلال هذه الفكرة، انتقل كارلايل من الرد على اتهامات الخديعة إلى الاستدلال بالأثر التاريخي والحضاري الذي تركته الرسالة.

وترصد زمالي في رؤية كارلايل ثلاثة عناصر رئيسية: صدق النبي، والتأثير الواسع لرسالته، وبساطته الشخصية. فقد رأى كارلايل أن تأثير الإسلام أسهم في تحويل العرب إلى قوة تاريخية امتدت من الهند إلى الأندلس، في حين لفت إلى حياة النبي البسيطة، ومنها قيامه بخصف نعله ورقع ثوبه بنفسه رغم مكانته.

وترتبط هذه العناصر في تصور كارلايل ببعضها؛ فالصدق يفسر قوة التأثير، والتأثير يعكس البطولة، بينما تؤكد البساطة الشخصية، في نظره، غياب التصنع والزيف.

وهكذا خرج محمد ﷺ في قراءة كارلايل من إطار الجدل الديني ليظهر باعتباره نموذجا للبطل الذي ترك أثرا عميقا في التاريخ.

فيكتور هوغو.. النبي أمام الشيخوخة والموت

أما الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو، فقد اختار مدخلا مغايرا في قصيدته “السنة التاسعة للهجرة”، إذ لم يستحضر النبي في صورة القائد المنتصر أو الفاتح، وإنما ركز على سنواته الأخيرة، حين بلغ الثالثة والستين واقترب أجله.

ويرى الأكاديمي والباحث المغربي عبد النبي ذاكر أن هوغو بنى صورة النبي من مجموعة من العناصر المتداخلة، تشمل النبوة والحكمة والزهد والشيخوخة والموت.

ويلتقط الشاعر شخصية محمد ﷺ في مرحلة متأخرة من حياته، حيث يظهر أمام الناس مهيبا ومستشعرا قرب النهاية، في مشهد يجمع بين العظمة الروحية والمصير الإنساني.

ومن التفاصيل التي يبرزها هوغو وصفه لتقدم الشيخوخة، مع الإشارة إلى أن شعرات بيضاء قليلة فقط بدأت تظهر في لحيته السوداء. وتخلق هذه المفارقة بين علامات التقدم في العمر وقلة الشيب صورة تضفي على الشخصية وقارا إنسانيا، وتضعها بين قوة الروح وحقيقة فناء الجسد.

وتصل القصيدة إلى ذروتها في نهايتها، حين ينتقل المشهد إلى اللحظة الأخيرة من حياة النبي:

“فجرى ارتعاش على صدغيه،

وفتح نَفَسٌ شفتَه،

ومات محمد”.

وتحمل هذه النهاية بعدا يتجاوز لحظة الموت نفسها؛ فالبناء الشعري يجعل وفاة الرسول انتقالا من حضور الشخص إلى استمرار أثر الرسالة.

ويرى ذاكر أن هوغو لم يقدم محمد ﷺ باعتباره مجرد شخصية تاريخية أو “آخر شرقي”، وإنما أعاد تشكيل صورته شعريا ضمن رؤية إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية.

وفي هذا السياق، يميز ذاكر بين محمد التاريخي كما استقر في الذاكرة الإسلامية، ومحمد الذي أعاد هوغو تخييله داخل الحساسية الأدبية للرومانسية الفرنسية. ومن ثم تبدو القصيدة معالجة أدبية لشخصية النبي أكثر من كونها محاولة لإعادة كتابة السيرة النبوية.

ثلاثة مسارات لصورة واحدة

تكشف أعمال غوته وكارلايل وهوغو عن ثلاث طرق مختلفة في الاقتراب من شخصية محمد ﷺ. فغوته اختار حركة الماء وانتقاله رمزا لانتشار الرسالة، وكارلايل ركز على الصدق والتأثير والبطولة، بينما اختار هوغو لحظة الشيخوخة والموت لقراءة الجانب الإنساني والروحي من شخصية النبي.

وعلى الرغم من اختلاف هذه المقاربات، فإنها تشترك في انتقال صورة محمد ﷺ من كونها موضوعا للسجال الديني إلى كونها موضوعا للتأمل الأدبي والتاريخي والأخلاقي.

لكن عبد النبي ذاكر يحذر من تحويل هذه النماذج إلى دليل على وجود تيار أوروبي موحد ومتصل في نظرته إلى النبي والإسلام، إذ ظلت إلى جانب هذه القراءات الإيجابية صور أخرى قائمة على التشويه والجدل الديني.

ويشير إلى أن الاهتمام الأدبي الجديد بشخصية محمد أصبح أكثر وضوحا منذ أواخر القرن الثامن عشر، ثم اتخذ أشكالا أكثر بروزا خلال مرحلة الرومانسية الأوروبية.

وفي تلك المرحلة، بدأت صورة النبي تظهر لدى بعض الكتاب ضمن مجالات التاريخ والبطولة والأخلاق والجمال الأدبي. ومن بين هؤلاء هيردر، الذي نظر إلى محمد بوصفه صانعا لأمة وتاريخ وحضارة، وشليغل الذي اقترب منه باعتباره ظاهرة ذات أبعاد جمالية وحضارية، ولامارتين الذي وضعه في كتابه “تاريخ تركيا” ضمن الشخصيات الكبرى في التاريخ الإنساني.

من الأدب إلى الاهتمام السياسي

ولا يقتصر هذا التحول في صورة محمد ﷺ على الأدب وحده؛ إذ يستحضر ذاكر أيضا نابليون بونابرت باعتباره مثالا على الاهتمام السياسي بشخصية النبي، ولا سيما فيما يتعلق بقدرته على توحيد العرب والتأثير في مسار التاريخ.

لكن هذه التحولات لا تعني أن النظرة الأوروبية إلى النبي انتقلت بصورة جماعية أو نهائية من العداء إلى الإعجاب، وإنما تعكس مسارا متنوعا ومتقطعا، تعددت فيه الدوافع والمقاربات.

وبين استعارة النهر عند غوته، وفكرة البطولة القائمة على الصدق عند كارلايل، ومشهد النبي في مواجهة الموت عند هوغو، تتشكل ثلاث صور أدبية لمحمد ﷺ، تكشف في مجملها عن تحول جزء من الأدب الأوروبي إلى محاولة فهم الشخصية النبوية من زوايا تتجاوز حدود السجال العقدي، وتلامس التاريخ والإنسان والرسالة والأثر الحضاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى