الذكاء الاصطناعي يهدد «بصمة الكاتب».. هل تصبح الآلة مؤلفا خفيا في سوق الكتابة؟

شهدت العقود الأخيرة تحولات واسعة في النظريات النقدية والأدبية التي ناقشت مفاهيم مثل «موت المؤلف» و«موت المثقف»، في محاولة لفهم تراجع أدوار تقليدية ارتبطت بالكاتب والمثقف، مقابل صعود منتجي الخطابات السريعة والعابرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، برزت نظريات أعادت النظر في العلاقة بين النص وكاتبه وقارئه، ومنها اتجاه يركز على القارئ باعتباره طرفا فاعلا في إنتاج المعنى، بحيث يمكن للنص الواحد أن يكتسب قراءات متعددة وفقا لخلفية كل قارئ وتجربته ومرجعياته الفكرية.
كما جاءت نظرية «التناص» التي ارتبطت بالناقدة المجرية جوليا كريستيفا لتؤكد أن النص الجديد لا يولد من فراغ، وإنما يتقاطع بصورة واعية أو غير واعية مع نصوص وأفكار وموروثات سابقة.
الكاتب بين التناص والذاتية
لا يعني تأثر الكاتب بما سبقه من نصوص وأفكار أن الكتابة تفقد طابعها الشخصي، إذ يظل النص في النهاية انعكاسا لعقل صاحبه ووجدانه وموقفه من الإنسان والمجتمع والعالم، وما يطرحه من أسئلة وقضايا وتصورات وخيالات وأذواق.
فالكاتب، عبر قرون طويلة، ظل يمتلك القدرة على تحويل الأفكار والمشاعر التي قد يشترك فيها معه كثير من الناس إلى نص مكتوب أو خطاب متماسك وقابل للتداول.
وقد أشار مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه «النظرات» إلى هذا الفارق، عندما تحدث عن التميز الذي يتيح للكاتب التعبير عن المعاني والأحاسيس بطريقة لا يستطيعها بالضرورة كل من يمتلك الأفكار نفسها.
وعلى امتداد التاريخ، تعرضت هذه الخصوصية لتحديات متعددة، من بينها ظهور المصنفات التي تقوم على جمع المتفرق وترتيب المبعثر وشرح المجمل وتوضيح الغامض، لكنها ظلت في الغالب مرتبطة بنصوص أصلية معروفة ولم تحجب أصحابها.
الانتحال و«كاتب الظل»
ومع تطور الحياة الأدبية والفكرية، ظهر الانتحال بوصفه مشكلة أكثر تعقيدا، حين نسبت إلى كتاب ومبدعين أعمال لم يكتبوها أصلا.
وقد وثق ابن سلام الجمحي في «طبقات فحول الشعراء» نماذج من القصائد والأبيات التي نسبت إلى شعراء عرب كبار رغم أنها ليست من إنتاجهم، كما وردت إشارات إلى هذه القضية في مؤلفات مثل «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، و«البيان والتبيين» للجاحظ، و«الكامل» للمبرد.
ولم تقتصر الشكوك حول نسبة الأعمال إلى أصحابها على التراث العربي، فقد ذهب بعض المؤرخين الغربيين إلى التشكيك في وجود سقراط بوصفه شخصية تاريخية حقيقية، معتبرين أن من جاءوا بعده ربما أسندوا إليه أفكارا وردت في كتاباتهم.
كما ظهرت تساؤلات حول وجود الشاعر هوميروس، صاحب الأعمال الشعرية المنسوبة إليه، في حين شكك آخرون في أن جميع المسرحيات التي تحمل اسم وليام شكسبير كانت من تأليفه وحده، وذهبوا إلى احتمال أن يكون مؤلفوها الحقيقيون مجموعة من الكتاب.
وفي السنوات الأخيرة، برزت كذلك «ورش الكتابة»، حيث يشترك عدد من الكتاب في إعداد عمل أدبي أو معرفي، ثم يصدر باسم شخص واحد، سواء كان أحد المشاركين البارزين أو الشخص الذي مول المشروع.
كما انتشر مفهوم «كاتب الظل»، وهو الشخص الذي يتولى كتابة أعمال لصالح شخص آخر مقابل المال، وقد يقدم أحيانا نفسه في صورة محرر أدبي أو مساعد للباحث، رغم أن هذين الدورين في حد ذاتهما مشروعان ولهما أهمية في العملية الإبداعية والبحثية.
الذكاء الاصطناعي.. كاتب الظل الأكبر
لكن التطور الأبرز جاء مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الكتابة، إذ بات قادرا على إنتاج النصوص في مجالات متعددة وبأساليب مختلفة وفقا للتعليمات التي يتلقاها من المستخدم.
وهنا تختلف المسألة عن ظاهرة «كاتب الظل» التقليدية، لأن الآلة تستطيع إنتاج المقالات والقصص والروايات والمسرحيات والدراسات والسير الذاتية والمذكرات وغيرها من أشكال الكتابة على نطاق واسع وسرعة تفوق أي نموذج بشري سابق.
وقد اختار بعض الكتاب التعامل مع هذه المسألة بشفافية، فأعلنوا أن الذكاء الاصطناعي شارك في إنتاج أعمالهم. ومن أبرز الأمثلة الكاتبة اليابانية ري كودان، التي أقرت بأن روايتها «برج التعاطف في طوكيو»، الفائزة بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة لعام 2024، كُتبت بمساعدة برنامج «شات جي بي تي».
لكن الاعتراف باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يزال، وفقا لهذا الطرح، أقل شيوعا من استخدامه فعليا، إذ يضع بعض الأشخاص أسماءهم على نصوص أنجزتها أدوات الذكاء الاصطناعي من دون الكشف عن ذلك، ثم تجد هذه الأعمال طريقها إلى النشر والمراجعات والندوات، بل وإلى أرفف القراء ومكتباتهم.
وهكذا، أصبح جزء من «سوق الكتابة» معرضا لظهور أعمال يمكن وصفها بأنها مغشوشة من حيث نسبتها إلى أصحابها، خصوصا مع عدم اعتماد بعض المؤسسات الإعلامية ودور النشر الصغيرة بصورة كافية على أدوات التحقق من أصالة النصوص.
مسؤولية النشر أمام النصوص المولدة آليا
تزداد المشكلة تعقيدا عندما تتعامل دور النشر مع الكاتب باعتباره المسؤول الوحيد عن المحتوى الذي يقدمه، بينما تضع بعض المنابر الإعلامية عبارات تخلي مسؤوليتها عن الآراء المنشورة وتعتبرها تعبيرا عن أصحابها.
وفي هذه البيئة، يمكن أن يتسلل المحتوى المولد آليا إلى المجال الأدبي والإعلامي والفكري من دون أن يملك القارئ بالضرورة وسيلة واضحة لمعرفة مصدره الحقيقي.
ولا تتوقف المخاوف عند مسألة الأمانة في نسبة النص إلى صاحبه، إذ إن الانتشار الواسع للكتابة التي تنتجها الآلات قد يؤثر مستقبلا في مفهوم الأصالة ذاته، وربما يسهم تراكم هذه النصوص في تشكيل اتجاهات وآراء عامة لا تعكس بالضرورة ما يخدم القضايا الأساسية في السياسة والمجتمع والمعرفة.
ويمتد ذلك إلى ميادين البحث والدراسات الإنسانية والعلمية، فضلا عن الأدب والفنون، حيث ترتبط قيمة العمل في كثير من الأحيان ليس بالمعلومة وحدها، وإنما بالزاوية التي ينظر منها صاحبه إلى الموضوع وبالتجربة التي تقف خلف النص.
حين تختفي البصمة الأسلوبية
من أبرز الخسائر المحتملة للكتابة المولدة بالذكاء الاصطناعي تراجع «البصمة الأسلوبية» التي تميز كاتبا عن آخر.
فالقراءة الأدبية تقوم، في جانب منها، على القدرة على التعرف إلى أسلوب الكاتب حتى عندما يغيب اسمه عن النص. وقد يستطيع القارئ المتمرس تمييز أساليب الجاحظ أو طه حسين أو العقاد أو نجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو علي الوردي أو محمد الماغوط، اعتمادا على خصائص لغوية وفكرية وأسلوبية تراكمت عبر أعمالهم.
ومن هنا اكتسبت الحكمة الشهيرة «الرجل هو الأسلوب» دلالتها، إذ لا ينفصل أسلوب الإنسان في الكتابة عن شخصيته وطريقة تفكيره ونظرته إلى الأشياء.
أما النصوص التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد تميل إلى إعادة استخدام أنماط لغوية متقاربة، ما يجعل الحدود الأسلوبية بين الكتّاب أكثر ضبابية، خصوصا عندما يعتمد عدد كبير منهم على الأدوات نفسها ويقدمون إليها تعليمات متشابهة.
وبذلك لا تكمن المسألة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على الكتابة فحسب، بل في السؤال الأعمق حول ما إذا كانت الكتابة ستظل تعبيرا عن صاحبها، وعن تجربته ووعيه وبصمته الخاصة، أم تتحول تدريجيا إلى منتج متشابه تتغير أسماء أصحابه بينما تبقى الآلة هي المؤلف الخفي وراءه.





