جمهورية بلا جمهور.. لماذا تعثرت الدولة اليمنية في بناء نظام مستقر؟

ظل سؤال الدولة واحداً من أكثر الأسئلة حضوراً في النقاشات الفكرية والسياسية اليمنية طوال العقود الستة الماضية: لماذا لم تنجح الجمهورية في تأسيس دولة مستقرة؟ وهل يعود التعثر إلى طبيعة النظام السياسي، أم إلى التركيبة الاجتماعية، أم إلى النخب التي تولت إدارة الدولة تحت مظلته؟
وتجدد هذا الجدل بصورة أكبر بعد اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، التي دفعت كثيراً من الباحثين والمفكرين إلى إعادة النظر في مسار بناء الدولة ومصادر أزمتها.
وفي هذا السياق، يطرح الباحث السياسي اليمني ضياء خالد السعيدي في كتابه الصادر حديثاً «جمهورية بلا جمهور» قراءة نقدية لطبيعة النظام الجمهوري في اليمن، محاولاً تفسير أسباب تعثره وعلاقته بالبنية الاجتماعية والتاريخية للبلاد.
ويقوم الكتاب على أطروحة مفادها أن الجمهورية اليمنية تبنت نموذجاً سياسياً حديثاً مستوحى من التجارب الأوروبية، من دون أن تتوافر له بالضرورة الشروط الاجتماعية والتاريخية التي نشأ في ظلها، وهو ما يرى المؤلف أنه أسهم في اتساع الفجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وأثارت هذه الفكرة نقاشاً واسعاً؛ إذ اعتبرها مؤيدون محاولة جريئة لإعادة فتح النقاش حول شكل الدولة والنظام السياسي، بينما رأى منتقدون أنها قد تقود إلى سردية تنتقد الجمهورية من زاوية تتجاهل بعض الحقائق التاريخية أو تمنح نظام الإمامة مساحة أكبر مما ينبغي في المقارنة.
من الهجرة إلى دراسة السياسة
يقول السعيدي إن فكرة الكتاب بدأت تتبلور لديه بعد مغادرته اليمن إلى روسيا عقب اندلاع الحرب عام 2015. وخلال السنوات التالية، تنقل بين عدد من العواصم الأوروبية، وظل يبحث عن تفسير للسؤال الذي شغله طويلاً: كيف وصلت اليمن إلى هذا المستوى من الانهيار؟
وانتهى به المطاف إلى الاستقرار في مدينة تورونتو الكندية، حيث التحق بأحد برامج العلوم السياسية، بعدما غيّر مساره الأكاديمي من الهندسة إلى السياسة، سعياً إلى فهم أعمق للأزمة اليمنية وجذورها.
وفي حديثه، يشرح السعيدي أبرز أفكار كتابه، ويتناول الانتقادات التي وجهت إلى أطروحته، فضلاً عن رؤيته للعلاقة بين الدولة والمجتمع والقبيلة والتاريخ السياسي اليمني.
ماذا تعني «جمهورية بلا جمهور»؟
يوضح السعيدي أن عنوان الكتاب لا يعني أن اليمنيين غائبون عن الحياة السياسية أو أنهم عاجزون عن ممارسة السياسة، وإنما يشير إلى عجز النظام الذي حمل اسم الجمهورية عن تكوين «جمهور سياسي» بالمعنى المؤسسي.
ويقصد بذلك وجود جماعة وطنية منظمة تجمعها رؤية واضحة للعقد السياسي، وتشعر بأن مؤسسات الدولة تمثلها وأن السلطة تستمد مشروعيتها من البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، لا من نموذج مفروض عليها من خارج سياقها التاريخي.
ويرى أن الجمهورية في اليمن امتلكت المظاهر المؤسسية للدولة الحديثة، من رئيس ودستور وبرلمان وأحزاب وانتخابات، لكنها لم تنجح في بناء علاقة عضوية متينة بين هذه المؤسسات وبين المكونات الاجتماعية الفعلية للمجتمع اليمني، مثل القبيلة والمذهب والمنطقة والعرف والهياكل المحلية.
ومن هذا المنظور، لا يضع السعيدي مسؤولية الأزمة بالكامل على المجتمع أو النخب الحاكمة، وإنما يربطها أيضاً بطبيعة النموذج السياسي الذي تبنته البلاد، معتبراً أن المجتمع طُلب منه أن يتكيف مع نموذج سياسي لم ينشأ من داخله.
وبحسب هذه القراءة، فإن تعثر الجمهورية لا يرتبط فقط بضعف الديمقراطية أو فساد السلطة، وإنما بعدم تشكل قاعدة اجتماعية ومؤسسية قادرة على حمل النظام الجمهوري وإنتاج علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع.
بين الدولة الحديثة والدولة الحداثية
يفرق السعيدي بين مفهومين يراهما مختلفين: «الدولة الحديثة» و«الدولة الحداثية».
فالدولة الحديثة، في تصوره، ليست بالضرورة نسخة من النموذج الغربي الليبرالي أو العلماني، وإنما هي الدولة القادرة على فرض النظام والأمن، وتنظيم الإدارة، ومحاسبة المسؤولين، وضبط استخدام القوة، وتهيئة الظروف اللازمة للاستقرار.
أما الدولة «الحداثية» فهي، بحسب طرحه، الدولة التي تستنسخ مظاهر الحداثة الغربية ومؤسساتها دون امتلاك الشروط التاريخية والاجتماعية التي ساعدت على نشوء تلك المؤسسات في بيئاتها الأصلية.
ويرى أن التحديث الحقيقي يبدأ من المجتمع نفسه، عبر فهم تاريخه ومؤسساته وقواه المحلية ثم تطوير أدوات الحكم بما يتناسب معها، بدلاً من استيراد نموذج مكتمل وفرضه على المجتمع.
ويستشهد في ذلك بالتجربة الأوروبية، حيث لم تظهر الجمهوريات والبرلمانات بصورة مفاجئة، بل جاءت بعد صراعات وتحولات تاريخية طويلة بين الكنيسة والملوك، وبين الإقطاع والطبقات التجارية الصاعدة.
أما اليمن، وفق رؤيته، فقد تبنى بعض نتائج تلك التجارب من دون المرور بالمسار التاريخي الذي أنتجها.
هل تحتاج اليمن إلى إعادة قراءة تاريخ الجمهورية؟
لا يخفي السعيدي رغبته في إعادة قراءة التاريخ اليمني منذ ثورة 26 سبتمبر/أيلول، لكنه يؤكد أن ذلك لا يعني إلغاء الثورة أو إنكار تضحيات المشاركين فيها.
ويرى أن الرواية الرسمية غالباً ما قدمت التاريخ اليمني في صورة ثنائية تختزل المرحلة السابقة على الثورة في «الظلام» الكامل، ثم تصور ما بعدها باعتباره لحظة خلاص شاملة، معتبراً أن هذه الطريقة أقرب إلى التعبئة السياسية منها إلى القراءة التاريخية المتعددة الأبعاد.
ويشير إلى أن اليمن قبل الجمهورية لم يكن مجتمعاً خالياً من التنظيم السياسي، بل كان يضم قبائل وأعرافاً وتقاليد للحكم وآليات محلية لتسوية النزاعات وتوزيع النفوذ.
ومع إقراره بوجود الاستبداد في نظام الإمامة وما رافقه من مظاهر تخلف، فإنه يرى أن المجتمع لم يكن يفتقر إلى البنى السياسية والاجتماعية بالكامل.
ومن وجهة نظره، فإن المشكلة تبدأ عندما تقطع الدولة صلتها بالتاريخ الاجتماعي للمجتمع، إذ تصبح مؤسساتها منفصلة عنه، وقد تلجأ عندها إلى القوة أو شراء الولاءات بدلاً من بناء الشرعية السياسية.
القبيلة.. مشكلة أم مكون سياسي؟
يرفض السعيدي تفسير موقفه من القبيلة باعتباره دعوة إلى إقامة دولة قبلية، مؤكداً أن ما يطرحه هو الاعتراف بها باعتبارها حقيقة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
فالقبيلة، بحسب وصفه، ليست مجرد رابطة اجتماعية تقليدية، وإنما كانت في مناطق واسعة من اليمن تؤدي أدواراً تتعلق بالحماية وحل النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية، في ظل محدودية حضور مؤسسات الدولة.
ولهذا يرى أن السؤال لا ينبغي أن يكون حول كيفية إلغاء القبيلة، وإنما حول كيفية فهم الوظائف التي أدتها وإدماجها تدريجياً في مؤسسات الدولة الوطنية.
ويعتبر أن القوى السياسية اليمنية تعاملت مع القبيلة بطرق مختلفة، لكنها اشتركت في استخدامها سياسياً. ففي الجنوب جرى التعامل معها في مراحل معينة باعتبارها عائقاً أمام المشروع الثوري، بينما استخدمها نظام علي عبد الله صالح كشبكة للولاءات السياسية، في حين دخلت لاحقاً في حسابات جماعة الحوثيين والتحالفات المختلفة.
ومن ثم، يرى أن الإشكال لا يكمن في وجود القبيلة بحد ذاته، وإنما في غياب تصور مؤسسي لكيفية إدماجها ضمن الدولة.
لماذا لا يختصر الأزمة في فساد النخب؟
يعتقد السعيدي أن تحميل النخب وحدها مسؤولية فشل الدولة لا يقدم تفسيراً كافياً لطبيعة الأزمة اليمنية.
ويستند في ذلك إلى أن اليمن شهد تغيرات متكررة في الرؤساء والأحزاب والتحالفات السياسية، لكن الأزمات الأساسية ظلت تتكرر بأشكال مختلفة، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن الخلل في بنية النظام نفسه، وليس فقط في الأشخاص الذين تولوا السلطة.
ويرى أن الجمهورية اليمنية تأثرت خلال مراحل مختلفة بأفكار سياسية قومية ويسارية وليبرالية، معتبراً أن المشكلة ليست في كون هذه الأفكار أجنبية بالضرورة، وإنما في التعامل معها باعتبارها نماذج مكتملة يجب تطبيقها دون تكييفها مع البيئة المحلية.
ويشير إلى تجارب دول مثل ماليزيا والصين، التي يقول إنها استفادت من الأفكار والمؤسسات الحديثة مع إعادة صياغتها بما يتناسب مع تركيبتها الاجتماعية والحضارية، بدلاً من نقلها بصورة حرفية.
هل ينتقد الإمامة أم يعيد الاعتبار إليها؟
من أبرز الانتقادات التي واجهت الكتاب اتهام أطروحته بالتسامح مع نظام الإمامة، وهو ما يرفضه السعيدي بصورة واضحة.
ويؤكد أنه لا يدافع عن الإمامة ولا يدعو إلى عودتها ولا يعتبرها نموذجاً مناسباً لمستقبل اليمن، لكنه في الوقت نفسه يرفض استخدام رفض الإمامة كسبب لإغلاق باب النقاش حول إخفاقات التجربة الجمهورية.
ويقول إن دراسة نظام تاريخي لا تعني تبريره، موضحاً أن وصف الإمامة بأنها كانت أكثر ارتباطاً ببعض البنى الاجتماعية في شمال اليمن لا يعني اعتبارها نظاماً عادلاً، وإنما محاولة لفهم كيفية عملها داخل السياق الذي نشأت فيه.
وبحسب رؤيته، فإن المشكلة في المقارنة تكمن في أن نظاماً تاريخياً كان متصلاً بالبنية الاجتماعية المحلية بدرجات معينة، بينما جاءت الجمهورية بمؤسسات ونموذج سياسي لم تكن له الصلة نفسها بالسياق الاجتماعي.
لذلك، يرى أن نقد الجمهورية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دفاعاً عن الإمامة، كما أن رفض الإمامة لا يجب أن يتحول إلى مانع من مساءلة التجربة الجمهورية.
ثورتا سبتمبر وأكتوبر والسياق الخارجي
وفي ما يتعلق بثورتي 26 سبتمبر/أيلول و14 أكتوبر/تشرين الأول، لا يرى السعيدي أن الإشارة إلى تأثرهما بالتيارات السياسية الدولية والإقليمية تنتقص من شرعيتهما.
ويشير إلى أن الثورات السياسية لا تنشأ في فراغ، وأن ثورة سبتمبر جاءت في مرحلة كان فيها المد القومي الناصري حاضراً بقوة في المنطقة، بينما تأثرت ثورة أكتوبر في الجنوب بالتيارات اليسارية وبالعلاقة مع المعسكر السوفياتي.
لكنه يميز بين مشاركة اليمنيين الفعلية في النضال والتضحيات التي قدموها، وبين الأفكار السياسية والمشروعات المؤسسية التي تأثرت بتيارات خارجية.
ويستشهد بثورة الدستور عام 1948 بوصفها مثالاً على محاولة إصلاحية محلية سعت إلى تقييد الحكم وتغييره من الداخل، معتبراً أن دراستها تساعد على توسيع فهم مسار التغيير السياسي في اليمن بعيداً عن التقسيمات الأيديولوجية الحادة.
وفي هذا السياق، يؤكد أن نزع القداسة عن الأحداث التاريخية لا يعني إنكارها، لأن قيام الثورة باعتباره حدثاً سياسياً شيء، والقدرة على بناء دولة مستقرة بعد الثورة شيء آخر.





