دولية

موجة زرقاء تضع ترمب والجمهوريين أمام اختبار صعب.. هل انتهى نفوذ الحزب الجمهوري؟

شهدت الولايات المتحدة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي شملت جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدا، إلى جانب 35 مقعدا من أصل 100 في مجلس الشيوخ.

وأسفرت النتائج عن انتصار كبير للحزب الديمقراطي، الذي تصفه وسائل الإعلام الأمريكية بـ«الفريق الأزرق»، بعدما تمكن من تحقيق مكاسب واسعة في المجلسين. ووصف مراقبون هذه النتيجة بأنها «موجة زرقاء» وصلت إلى حد «التسونامي»، إذ انتزع الديمقراطيون ما لا يقل عن 30 مقعدا في مجلس النواب و7 مقاعد في مجلس الشيوخ، في رسالة انتخابية تعكس استياء قطاعات واسعة من الأمريكيين إزاء المسار الذي تسلكه البلاد.

وكانت النتائج لافتة بصورة خاصة في ولايات اعتادت التصويت للجمهوريين، إذ لم تصوت تكساس للديمقراطيين في أي سباق على مستوى الولاية منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكنها شهدت هذه المرة تقدما ديمقراطيا كبيرا.

وفي ولاية كانساس، التي لم ترسل ديمقراطيا إلى مجلس الشيوخ منذ عام 1932، يستعد الحزب الديمقراطي للحصول على تمثيل فيها اعتبارا من الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 2027.

كما شكلت خسارة السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز مفاجأة بارزة، بعدما أمضت 30 عاما ممثلة لولاية مين في مجلس الشيوخ، وكانت تتولى رئاسة لجنة الاعتمادات، وتُعد من أكثر الجمهوريين استعدادا للتصويت بالتوافق مع الحزب الآخر.

هل تمثل الهزيمة الجمهورية سابقة تاريخية؟

على الرغم من اتساع الانتصار الديمقراطي، فإن النتائج لا تمثل سابقة غير مألوفة في تاريخ الانتخابات الأمريكية، إذ اعتادت الأحزاب الحاكمة خسارة مقاعد خلال انتخابات التجديد النصفي، خصوصا عندما يتراجع الرضا الشعبي عن أداء الإدارة الرئاسية.

وشهدت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية سبع انتخابات نصفية على الأقل تكبد فيها الحزب الحاكم خسائر مماثلة لما تعرض له الجمهوريون في انتخابات 2026 أو أكبر منها، وذلك خلال أعوام 1946 و1958 و1966 و1974 و1994 و2010 و2018.

وفي انتخابات عام 2010، تعرض الحزب الديمقراطي بقيادة الرئيس باراك أوباما لواحدة من أكبر الهزائم الانتخابية، بعدما خسر 63 مقعدا في مجلس النواب و6 مقاعد في مجلس الشيوخ، قبل أن يفقد 9 مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي لولايته الثانية.

أما عام 1994، فقد تلقى الديمقراطيون بقيادة الرئيس بيل كلينتون ضربة قاسية، بعدما تمكن الجمهوريون من انتزاع 54 مقعدا في مجلس النواب و8 مقاعد في مجلس الشيوخ، مستعيدين السيطرة على مجلس النواب للمرة الأولى منذ جيل كامل.

وتكررت الخسائر الكبيرة في انتخابات سابقة، إذ فقد الحزب الديمقراطي بقيادة الرئيس هاري ترومان 54 مقعدا في مجلس النواب و12 مقعدا في مجلس الشيوخ عام 1946، بينما خسر الجمهوريون في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور 48 مقعدا في مجلس النواب و13 مقعدا في مجلس الشيوخ عام 1958.

كما تعرض رؤساء آخرون، بينهم ليندون جونسون وجيرالد فورد وجورج بوش، لخسائر انتخابية كبيرة، وحتى الرئيس الجمهوري رونالد ريغان فقد 26 مقعدا في مجلس النواب خلال أول انتخابات نصفية في عهده.

وتؤكد هذه السوابق أن خسارة الانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة نهاية المسار السياسي للحزب الحاكم، إذ تمكن كل من أوباما وكلينتون من تجاوز تداعيات الهزيمة ومواصلة الحكم، بل نجح كلينتون في التعاون مع الكونغرس الذي سيطر عليه الجمهوريون لإقرار أول ميزانية متوازنة منذ سنوات طويلة.

الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية في صدارة أسباب الهزيمة

كان للحرب على إيران تأثير واضح في نتائج الانتخابات، ليس بسبب المواجهة العسكرية وحدها، وإنما نتيجة تداعياتها الاقتصادية المباشرة على حياة المواطن الأمريكي.

وشهدت أسعار البنزين ارتفاعا حادا خلال فترة الحرب، وهو ما شكل عبئا إضافيا على الأسر الأمريكية، خصوصا أن السيارة تمثل وسيلة النقل الأساسية لشريحة واسعة من السكان.

ولم تقتصر آثار ارتفاع أسعار الوقود على قطاع النقل، بل امتدت إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما فيها قطاع الأغذية والسلع الاستهلاكية، نظرا لاعتماد عمليات نقل معظم المنتجات على الشاحنات وشبكات الطرق، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتوزيع وانعكس على أسعار السلع الأساسية.

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الاحتياجات اليومية، أصبح الاستياء الشعبي من أداء الإدارة الأمريكية عاملا مؤثرا في توجهات الناخبين.

وتشير مؤشرات الرأي العام إلى عمق الأزمة، إذ لم تتجاوز نسبة الأمريكيين الذين يرون أن الكونغرس يؤدي عمله بصورة جيدة 14%، وهو ما يعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية في واشنطن.

الديمقراطيون يستعدون لإعادة رسم المشهد السياسي في واشنطن

من المتوقع أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ إلى تغييرات كبيرة في المشهد السياسي الأمريكي خلال العامين المقبلين، إذ ستنتقل إليهم قيادة اللجان البرلمانية، وستصبح لديهم قدرة أكبر على تحديد أولويات الكونغرس والتحكم في مسارات التشريع والرقابة.

ومن المرجح أن تستخدم اللجان التي يسيطر عليها الديمقراطيون صلاحياتها لفتح تحقيقات تتعلق بأداء الرئيس دونالد ترمب وإدارته، وفحص عدد من القرارات والسياسات التي اتخذها فريقه خلال الفترة الماضية.

كما قد يعود ملف عزل الرئيس إلى واجهة النقاش السياسي، خصوصا إذا تصاعدت المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن القضايا الداخلية والخارجية.

وستكون للديمقراطيين أيضا قدرة مؤثرة على توجيه الإنفاق الحكومي، نظرا للدور المحوري الذي يلعبه الكونغرس في إقرار الميزانية وتحديد أوجه صرف الأموال العامة.

وإذا شغر مقعد في المحكمة العليا الأمريكية خلال الفترة المقبلة، فقد يواجه ترمب صعوبات أكبر في تمرير مرشحه، في ظل موازين القوى الجديدة داخل المؤسسة التشريعية.

هل أصبح ترمب رئيسا ضعيف النفوذ؟

تفرض الهزيمة الانتخابية تساؤلات بشأن مستقبل نفوذ ترمب داخل الحزب الجمهوري، وما إذا كان سيظل الشخصية الأكثر تأثيرا في توجهاته خلال المرحلة المقبلة.

ويحدد الدستور الأمريكي مدة الرئاسة بفترتين، ولذلك يوصف الرئيس الذي يدخل العامين الأخيرين من ولايته الثانية بأنه «بطة عرجاء»، في إشارة إلى تراجع قدرته على فرض أجندته السياسية مع اقتراب نهاية ولايته.

وعادة ما يتقلص نفوذ الرؤساء في هذه المرحلة، خصوصا فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، وهو ما يدفع بعضهم إلى التركيز بصورة أكبر على الملفات الخارجية التي تظل فيها صلاحيات الرئيس واسعة نسبيا.

ومع ذلك، لا يعني تراجع النفوذ السياسي أن ترمب فقد جميع أدوات التأثير، إذ لا يزال يتمتع بصلاحيات دستورية مهمة، أبرزها حق الاعتراض الرئاسي على التشريعات التي يقرها الكونغرس.

ويتيح الدستور للرئيس رفض أي مشروع قانون يوافق عليه المجلسان، ولا يمكن تجاوز هذا الاعتراض إلا بتصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو شرط يصعب تحقيقه في ظل الانقسامات الحزبية الحالية.

وبالتالي، يستطيع ترمب استخدام حق النقض لتعطيل التشريعات التي يرى أنها تتعارض مع توجهاته، أو يعتبرها متشددة في اتجاهاتها السياسية أو الاقتصادية.

كما أن شخصية ترمب المعروفة برفض التراجع عن المواجهات، سواء في عالم الأعمال أو السياسة أو المعارك القضائية والعلاقات الدولية، قد تمنحه قدرة على خوض مواجهة طويلة مع الكونغرس الديمقراطي.

وقد تتحول هذه السمة إلى نقطة قوة خلال الأشهر الـ27 المقبلة، رغم أنها تسببت له في أزمات سياسية خلال مراحل سابقة.

التعاون أو المواجهة.. سيناريوهان لمستقبل واشنطن

سيكون التحدي الأكبر أمام الإدارة الأمريكية والكونغرس الجديد هو كيفية التعامل مع واقع الانقسام السياسي، إذ يمتلك كل طرف أدوات دستورية تمنحه القدرة على تعطيل أجندة الطرف الآخر.

وفي الظروف المثالية، يفترض أن يدرك الجمهوريون والديمقراطيون حدود نفوذهم السياسي، وأن يبحثوا عن مساحات مشتركة للتعاون، على غرار ما حدث خلال رئاسة بيل كلينتون، عندما تمكن الرئيس الديمقراطي من العمل مع كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون لإقرار تشريعات مهمة، من بينها الميزانية المتوازنة.

وقد يحقق هذا النهج مكاسب للجانبين وللمواطنين الأمريكيين، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أما إذا اختار الطرفان التمسك بمواقفهما ورفض تقديم التنازلات، فقد تدخل الولايات المتحدة في عامين من الجمود التشريعي والصراعات السياسية، مع صعوبة تمرير الملفات الأساسية التي تحتاج إليها البلاد.

انتخابات 2028 تفتح باب المنافسة داخل الحزب الجمهوري

بالتزامن مع تداعيات انتخابات التجديد النصفي، بدأت التساؤلات تتزايد بشأن المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة عام 2028، ولا سيما داخل الحزب الجمهوري الذي يواجه تحديات تتعلق بمستقبله السياسي بعد خسارة المجلسين.

ويبرز اسما نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ضمن الشخصيات الأكثر تداولا باعتبارهما مرشحين محتملين لخلافة ترمب في قيادة الحزب وخوض السباق الرئاسي المقبل.

لكن التنبؤ بهوية المرشح الجمهوري في هذه المرحلة يظل أمرا صعبا، إذ إن عامين في الحياة السياسية الأمريكية فترة طويلة بما يكفي لتغيير موازين القوى وظهور شخصيات جديدة.

ومن بين العوامل التي قد تؤثر في مستقبل المرشحين الجمهوريين مدى استمرار حالة الاستياء الشعبي من ترمب، وما إذا كان الناخبون سيصلون إلى مرحلة من «الإرهاق من ترمب» قبل انتخابات 2028.

فإذا تراجعت شعبية الرئيس بصورة أكبر، فقد تتحول العلاقة الوثيقة به إلى عبء سياسي على الشخصيات المرتبطة بإدارته، بدلا من أن تكون ميزة تمنحها الأفضلية داخل الحزب.

وقد يجد فانس وروبيو نفسيهما أمام تحديات تتعلق بإقناع الناخبين بأنهما يمثلان مرحلة سياسية جديدة، رغم ارتباطهما المباشر بإدارة ترمب.

وفي المقابل، قد تبرز أسماء من خارج الدائرة المقربة من الرئيس، مثل حكام الولايات أو شخصيات سياسية سابقة، ممن يمكنهم تقديم توجه مختلف وجذب الناخبين الباحثين عن قيادة جديدة.

وكان ترمب قد أشار إلى امتلاك الحزب الجمهوري مجموعة كبيرة من الشخصيات القادرة على تولي القيادة، في إشارة إلى تعدد الخيارات المتاحة أمامه عند اختيار مرشحه المقبل.

ومع ذلك، فإن الحديث عن مرشح انتخابات 2028 لا يزال سابقا لأوانه، في ظل التقلبات السياسية التي قد تشهدها الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة.

هل يستطيع الجمهوريون تجاوز الهزيمة واستعادة نفوذهم؟

دفعت النتائج الانتخابية بعض وسائل الإعلام الأمريكية إلى الحديث عن أزمة وجودية داخل الحزب الجمهوري، بل ذهب بعضها إلى تصوير الهزيمة باعتبارها بداية نهاية نفوذه السياسي.

غير أن القراءة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه الاستنتاجات قد تكون متسرعة، خصوصا أن الأرقام النهائية للانتخابات لم تكن قد استقرت بعد، وأن الأحزاب الأمريكية اعتادت التعرض لانتكاسات انتخابية كبيرة قبل أن تتمكن من استعادة قوتها.

كما أن خسارة الجمهوريين 7 مقاعد في مجلس الشيوخ حتى الآن، مقارنة بخسارة الديمقراطيين 6 مقاعد خلال انتخابات 2010، لا تكفي وحدها للحكم على مستقبل الحزب أو قدرته على العودة إلى المنافسة.

وتوضح تجارب أوباما وكلينتون وترومان وأيزنهاور أن الهزائم الانتخابية الكبيرة لا تعني نهاية الأحزاب أو انتهاء قدرة الرؤساء على ممارسة الحكم والتأثير.

وفي المحصلة، تعكس انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني رسالة واضحة من الناخب الأمريكي بضرورة مراجعة السياسات والاستجابة للمطالب الاقتصادية والمعيشية، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء حقبة الجمهوريين أو فقدان ترمب نفوذه بصورة نهائية.

ويبقى مستقبل الحزب الجمهوري مرهونا بقدرته على استيعاب أسباب الهزيمة، وإعادة ترتيب أولوياته، والتعامل مع التحولات في المزاج الشعبي، في وقت ستحدد فيه طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس ملامح المرحلة السياسية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى