ثقافة

يوميات “بين اسمين”: رحلة الفلسطيني بين المنفى والعودة المستحيلة

عرف أدب التدوين الرحلي، برًّا وبحرًا، ازدهارًا لافتًا مع البحّارة والمغامرين، حيث ظهرت “الكورديلو”؛ وهي دفاتر صغيرة تُشد أوراقها بحبل رفيع، كان البحّار يسجل فيها تفاصيل رحلته يومًا بيوم، في شكل مبكر من اليوميات الملاحية.

ضمن هذا السياق يمكن قراءة يوميات الكاتب الفلسطيني الكندي عبد الله الخطيب في عمله “معلّق: في المسافة بين اسمين”، غير أن هذه اليوميات تتجاوز الطابع التقليدي للترحال، لتتحول إلى رحلة عودة معقدة إلى وطن مسلوب، يعيش تحت الاحتلال، ويغدو دخوله مشروطًا بجواز أجنبي يتيح له المرور إلى أرضه.

اليوميات كفعل مواجهة لا كتوثيق

تتخذ هذه الرحلة طابعًا استثنائيًا، إذ لا يكتب الخطيب عن سفر حر، بل عن عبور مشحون بالمخاطر والحواجز والتهديد بالمنع. وقد جاءت زيارته للأراضي الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب واسعة على غزة، ما جعل الدخول محفوفًا بتحذيرات من محيطه، خاصة أنه مُنع سابقًا مرتين من الدخول رغم امتلاكه للجنسية الكندية.

منذ اللحظة الأولى عند المعابر، يتحول السفر إلى اختبار نفسي قاسٍ، حيث يخضع الكاتب لتحقيقات مطولة وتفتيشات متكررة تهدف إلى إنهاكه ودفعه للانسحاب. لكنه يواصل المقاومة عبر السخرية تارة والانصياع الشكلي تارة أخرى، في مواجهة منظومة قمعية تُحول العبور إلى أداة ضغط نفسي.

الحاجز بوصفه مسرحًا للعنف الرمزي

لا يقتصر العنف على التفتيش الجسدي، بل يمتد إلى محاولة المساس بالمقتنيات الشخصية، وصولًا إلى تفكيك الرموز العاطفية التي يحملها، مثل هدية لوحة فنية كان ينقلها لعمته. وتتحول هذه اللوحة داخل السرد إلى كائن حي يشارك الرحلة، ويعكس هشاشة العائد أمام سلطة الاحتلال.

وفي لحظات التفتيش الأكثر قسوة، يصل الانتهاك إلى حدود الجسد نفسه، في مشهد يكشف عن طبيعة السيطرة التي تتجاوز الإجراءات الأمنية إلى إذلال رمزي ممنهج.

بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية

تقوم بنية الكتاب على التداخل بين اليوميات والمذكرات، حيث يسجل الخطيب تفاصيل يومه، وفي الوقت نفسه يستدعي ذاكرة الطفولة وفضاء البيت العائلي في “حوش الخطيب”، بما يحمله من وجوه وأمكنة ورموز محلية.

هذا التناوب بين الراهن والماضي يمنح النص عمقًا سرديًا، ويحوّل الرحلة إلى عملية استعادة للهوية، لا مجرد تنقل جغرافي، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الوطنية الفلسطينية.

البنية الفنية لليوميات

يعتمد الكاتب على بنية يومية دقيقة، تبدأ من الصباح الباكر وتنتهي في ساعات الليل المتأخرة، مع تقسيم النص إلى مقاطع قصيرة معنونة، تمنحه طابعًا أقرب إلى السرد القصصي.

كما يوظف عتبات نصية من الأغنية الفلسطينية والشعر، خاصة نصوص محمود درويش وتوفيق زياد، لتشكيل سياق عاطفي وذاكرة ثقافية موازية، تعزز حضور المكان والحنين في السرد.

الرحلة بوصفها مقاومة ثقافية

إلى جانب البعد الشخصي، تتحول الرحلة إلى فعل ثقافي مقاوم، حيث يلتقي الخطيب بعدد من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين، وينقل كتبًا بين الداخل والشتات، في محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الجغرافيا الفلسطينية الممزقة.

ويغدو النص بذلك مساحة لإعادة إنتاج المشهد الثقافي الفلسطيني، وربط مراكزه المتفرقة عبر التوثيق واللقاء والذاكرة.

نهاية مفتوحة بين المنفى والوطن

تنتهي الرحلة بالعودة إلى الأردن، لكن دون اكتمال المعنى. فالمكان يُغادر جسديًا بينما يبقى حاضرًا نفسيًا، حيث يصرّ الكاتب على أن جزءًا منه ظل عالقًا داخل فلسطين.

وتنتهي اليوميات بجملة مكثفة الدلالة، تعبر عن جوهر التجربة: أن الوطن لا يُغادر بالوثائق، وأن الهوية تبقى معلقة بين الجغرافيا والذاكرة، حتى في ظل المنع والحدود والجوازات الأجنبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى