مخزون اليورانيوم الإيراني يعرقل مسار إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبرز ملف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب باعتباره أحد أعقد الملفات السياسية والعسكرية المرتبطة بإنهاء الصراع، وأكثرها حساسية على طاولة التفاوض بين الأطراف المعنية.
وفي وقت تعهدت فيه الإدارة الأمريكية بعدم السماح لطهران بالاحتفاظ بهذا المخزون، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين إيرانيين كبيرين أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أصدر توجيهاً يمنع إخراج مخزون البلاد من اليورانيوم عالي التخصيب، القريب من مستوى الاستخدام العسكري، إلى خارج إيران.
في المقابل، يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموقف حاسم مفاده أن الحرب لن تُعد منتهية ما لم يتم التخلص الكامل من هذه المواد داخل إيران، وهو ما يكشف تبايناً جوهرياً في تعريف “نهاية الحرب” بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
هذا الجمود في المواقف دفع دوائر غربية دبلوماسية وعسكرية إلى دراسة سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تسويات تفاوضية معقدة وصولاً إلى خيارات عسكرية تشمل تدخلاً برياً لاستخراج اليورانيوم من عمق المنشآت النووية الإيرانية.
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي نظرياً لإنتاج ما يقارب 10 رؤوس نووية إذا رُفعت نسبة التخصيب إلى 90%، ما يفسر التركيز الدولي المكثف على هذه الأرقام.
ويُعتقد أن الجزء الأكبر من هذا المخزون لا يزال مدفوناً تحت أنقاض مجمع أصفهان النووي، وربما منشأة نطنز، عقب الضربات الأمريكية التي استهدفت البنية النووية، وما تلاها من عمليات عسكرية ركزت على مواقع وقدرات أخرى.
وتشير تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن طهران تمكنت من فتح ممرات وصول محدودة إلى بعض المخزون المدفون تحت الأنقاض، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية.
ولا تقتصر المخاوف الغربية على احتمال تطوير سلاح نووي فقط، بل تمتد إلى سيناريو أكثر خطورة يتمثل في “النووي الضائع”، حيث قد تؤدي أي فوضى داخلية أو انهيار محتمل للنظام إلى انتشار هذه المواد ووصولها إلى جهات غير دولية أو فاعلين مسلحين.
المسارات الدبلوماسية لنقل أو إدارة اليورانيوم الإيراني
قبل اندلاع الحرب، أبدت طهران استعداداً لنقل جزء من مخزونها عالي التخصيب إلى الخارج، غير أن هذا الموقف تغير لاحقاً بفعل التصعيد والتهديدات العسكرية، ليتحول الملف النووي إلى جزء مباشر من معادلة الحرب.
ونقلت رويترز عن مسؤول إيراني تأكيده أن التوجه داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، بتوجيه من القيادة العليا، يتمثل في رفض إخراج مخزون اليورانيوم من البلاد بشكل كامل.
ورغم ذلك، لا تزال بعض الأطراف تطرح خيارات دبلوماسية بديلة، من بينها وساطات إقليمية تقوم على صيغ تهدف إلى خفض مستوى التخصيب مع بقاء المواد داخل إيران تحت رقابة دولية.
كما يجري تداول مقترحات تتعلق بإنشاء كونسورتيوم نووي إقليمي يسمح بالتخصيب منخفض المستوى تحت إشراف دولي صارم، إلا أن هذه الصيغة لم تتحول حتى الآن إلى مسار تفاوضي فعلي.
الخيارات العسكرية المطروحة للتعامل مع المخزون النووي الإيراني
في حال فشل المسار الدبلوماسي، تدرس واشنطن وتل أبيب خيارات عسكرية معقدة تتراوح بين مسارين رئيسيين مختلفين من حيث المخاطر والنتائج.
أحد هذه الخيارات يتمثل في التدمير في الموقع عبر عمليات برية محدودة تهدف إلى تعطيل المنشآت النووية ومنع استعادة المواد، إلا أن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة تتعلق بالتلوث الإشعاعي والكيميائي، إضافة إلى عدم ضمان تدمير كامل للمخزون.
أما السيناريو الآخر، والأكثر تعقيداً، فيتمثل في استخراج ونقل اليورانيوم خارج إيران، وهو خيار وصفه مسؤولون أمريكيون بأنه يتطلب عمليات خاصة شديدة التعقيد، وقد يشكل واحدة من أعقد المهام العسكرية في التاريخ الحديث.
التحديات العملياتية لعملية استخراج اليورانيوم
تتطلب أي عملية استخراج محتملة مشاركة وحدات نخبة عسكرية متخصصة، إلى جانب فرق التعامل مع أسلحة الدمار الشامل، ضمن بيئة عملياتية شديدة الخطورة.
وتشمل التحديات اللوجستية نقل معدات ثقيلة إلى مواقع تحت الأنقاض، وتأمين مطارات أو إنشاء مدارج مؤقتة لاستقبال طائرات الشحن، إضافة إلى عمليات حفر معقدة لاختراق الخرسانة والركام.
كما تبرز مخاطر مباشرة تتعلق بالتعرض لنيران القوات الإيرانية خلال عمليات طويلة الأمد، إلى جانب التهديدات الإشعاعية والكيميائية الناتجة عن طبيعة تخزين اليورانيوم في أسطوانات غازية شديدة الحساسية.
أي خلل في التعامل مع هذه المواد قد يؤدي إلى تسرب غاز سام شديد الخطورة، ما يضاعف من تعقيد العملية ويجعلها من أعلى العمليات العسكرية مخاطرة من الناحية التقنية.
وتحذر تقارير متخصصة في شؤون الأسلحة النووية من أن سوء التعامل مع أسطوانات التخزين قد يؤدي إلى تفاعلات خطرة في حال عدم الالتزام بإجراءات السلامة الصارمة.
سوابق تاريخية لعمليات نقل اليورانيوم عالي التخصيب
يمكن مقارنة هذا السيناريو بعملية “مشروع الياقوت” عام 1994، حين قامت الولايات المتحدة بنقل نحو 600 كيلوغرام من اليورانيوم من كازاخستان إلى أراضيها، في عملية استغرقت أشهراً من التخطيط واعتمدت على تعاون كامل من الدولة المضيفة.
غير أن الوضع الحالي يختلف جذرياً، إذ إن أي عملية محتملة داخل إيران ستتم في بيئة قتالية نشطة، ووسط رفض سياسي وعسكري كامل من الدولة المستهدفة، ما يجعل مستوى المخاطر أعلى بكثير من أي عملية سابقة مماثلة.





