سوق الغزل في سلا.. من سوق تاريخي إلى فضاء ينبض بالموسيقى والثقافة

تحولت ساحة سوق الغزل في المدينة العتيقة بمدينة سلا المغربية إلى منصة مفتوحة للفن والإبداع، بعدما احتضنت أمسية موسيقية بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى، نظمتها جمعية ميسترا للفنون السوسيوثقافية، وسط حضور جماهيري كبير وفي أجواء امتزجت فيها الموسيقى بأصالة المكان وعبق التراث المغربي.
وقدمت عضوات الفرقة الموسيقية باقة متنوعة من المقطوعات المستوحاة من الموسيقى المغربية والعربية والعالمية، وسط تفاعل واسع من الحضور الذين ملؤوا الساحة واستمتعوا بالأمسية في فضاء تاريخي استعاد مكانته الثقافية بعد سنوات من الترميم.
زهرة الركراكي.. حنين الطفولة يقود أمسية موسيقية
أعربت المايسترو زهرة الركراكي، رئيسة جمعية ميسترا والمديرة الفنية للحفل، عن اعتزازها بإقامة هذا الحدث في ساحة تحمل مكانة خاصة في ذاكرتها.
وأكدت أن سوق الغزل كان جزءًا من تفاصيل طفولتها، حيث اعتادت المرور به والاستمتاع بالحركة التجارية والثقافية التي ميزته لسنوات، مشيرة إلى أنها لم تتخيل يومًا أن تقود حفلاً موسيقياً في المكان ذاته.
وأوضحت أن اختيار الساحة التاريخية بدلاً من المسارح المغلقة جاء بهدف تقريب الفن الراقي من مختلف فئات المجتمع، خاصة أولئك الذين لا تسمح لهم ظروفهم بحضور الفعاليات الفنية داخل القاعات.
كما أشارت إلى أن جمعية ميسترا، التي تأسست عام 2023، تعمل على تكوين الفتيات أكاديمياً في مجال الموسيقى، مع الحفاظ على التراث المحلي والانفتاح على مختلف الثقافات العالمية.
سوق الغزل.. تاريخ يمتد لقرون
يعد سوق الغزل من أقدم الفضاءات التاريخية في مدينة سلا، وقد شهد تحولات كبيرة عبر القرون عكست تطور المدينة وتغير وظائفها الاقتصادية والاجتماعية.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان السوق يستخدم لعرض الأسرى الذين كان يجلبهم البحارة السلاويون خلال حملاتهم البحرية، قبل أن يصدر مرسوم سلطاني عام 1808 ينهي تلك المرحلة، لتتحول المدينة تدريجياً إلى مركز للتجارة والحرف التقليدية.
ومع مرور الوقت، أصبح السوق مقصداً لتجار الصوف ومشتقاته، حيث انتشرت فيه عشرات الدكاكين المتخصصة في بيع الصوف الخام والمصبوغ، إلى جانب الحرفيات اللواتي كن يحولنه إلى منتجات يدوية مثل الزرابي والأغطية التقليدية والمنسوجات المغربية.
كما عرف السوق نشاطاً مميزاً للعدول والنساخ الذين كانوا يوثقون العقود والمعاملات التجارية في محيط دار القاضي المجاورة، ما جعله مركزاً اقتصادياً وإدارياً مهماً داخل المدينة العتيقة.
فضاء لدعم النساء
في مطلع القرن العشرين، اكتسب السوق بعداً اجتماعياً جديداً، بعدما تحول جزء منه إلى فضاء للمزاد العلني المعروف محلياً بـ”الدلالة”.
وكانت النساء، وخاصة الأرامل والمطلقات ومن لا معيل لهن، يجتمعن يومياً لعرض منتجاتهن اليدوية أو مقتنياتهن للبيع، في تجربة اجتماعية ساهمت في توفير مصدر دخل للكثير من الأسر السلاوية.
مشروع ترميم أعاد الحياة إلى السوق
شهد سوق الغزل تحولاً كبيراً بعد مشروع إعادة تأهيل المدينة العتيقة بسلا، الذي نُفذ على مرحلتين بين عامي 2013 و2023، باستثمارات بلغت نحو 900 مليون درهم.
وشملت أعمال التهيئة إعادة رصف الساحة بالحجارة التقليدية، وتشجير محيطها، وتحديث شبكات البنية التحتية، وتركيب نظام إنارة يحافظ على الطابع المعماري التاريخي للمكان، إضافة إلى ترميم واجهات المباني والدكاكين باستخدام مواد تتوافق مع الهوية العمرانية للمدينة.
مركز للثقافة والتراث
أصبح سوق الغزل اليوم فضاءً ثقافياً مفتوحاً يحتضن العديد من الفعاليات الفنية والتراثية، بعدما تحول من مركز تجاري تقليدي إلى معلم ثقافي يجذب السكان والزوار.
وتُنظم في الساحة مهرجانات وبرامج متنوعة، من بينها مهرجان مقامات، ومهرجان أطفال السلام، وأيام التراث، وأمسيات الملحون خلال شهر رمضان، إلى جانب الجولات السياحية التي تعرف الزوار بتاريخ المدينة العتيقة ومعالمها.
ويجسد هذا التحول نموذجاً ناجحاً في إعادة توظيف الفضاءات التاريخية، عبر الحفاظ على هويتها العمرانية وإحياء دورها الثقافي، بما يسهم في صون الذاكرة المحلية وتعزيز مكانة سلا كواحدة من أبرز المدن التاريخية في المغرب.





