حين يتحول السيناريو إلى أدب.. كتاب يقود القارئ إلى متاهة كلاسيكيات السينما

للكتب والأعمال الإبداعية أرواح، وبعضها لا يتجاوز اللقاء الأول معها، إذ سرعان ما يتركها القارئ خلفه بعدما يجد فيها تكرارا واجترارا وعبارات لا تحمل جديدا. إنها نصوص مسطحة، أحادية النبرة، لا تثير الدهشة ولا تستفز التفكير، وكأن لغتها انعكاس لروح إبداعية خامدة.
لكن هناك كتبا قليلة قادرة على أن تصبح رفيقة دائمة، لأن طاقتها لا تنفد بانتهاء القراءة الأولى، بل تتجدد كلما عاد إليها القارئ، وتفتح أمامه أبوابا نحو كتب وفنون وتجارب أخرى. ومن هذا النوع، يرى الكاتب أن كتاب «كيف تتم كتابة السيناريو» للمؤلفة إنجا كاريتنيكوفا يتجاوز كونه دليلا في تقنيات كتابة السيناريو، ليصبح نافذة واسعة على عدد من كلاسيكيات السينما.
فالكتاب الجيد لا ينتهي عند صفحته الأخيرة، بل يدفع قارئه إلى البحث عن كتب أخرى وأفلام جديدة، ويقوده إلى متاهة معرفية وفنية لا يكون الوصول إلى نهايتها هو الهدف منها.
كتاب يقود إلى كلاسيكيات السينما
تقدم إنجا كاريتنيكوفا كتابها من زاوية مختلفة، فهي لا تكتفي بالحديث عن السيناريو بوصفه صناعة تقنية، ولا تحوله إلى دراسة نقدية جافة، بل تتوقف عند عناصر أساسية في بنائه من خلال تحليل ثمانية سيناريوهات لأفلام أصبحت جزءا من تاريخ السينما العالمية.
وتنطلق المؤلفة من فكرة أساسية مفادها أن كاتب السيناريو هو المسؤول عن بناء الفيلم في مراحله الأولى، فهو الذي يتخيل العمل ويضع التصور الأول لعالمه وشخصياته وأحداثه.
ورغم أن السيناريو لا يكتب أساسا لكي يكون عملا أدبيا موجها إلى القارئ، فإن السيناريو الجيد يستطيع أن يحتفظ بقيمته كنص مكتوب. ومن هنا تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب، إذ يمكن للقارئ غير المتخصص أن يستمتع به، في حين يجد فيه الطالب والناقد والمخرج والسيناريست مادة غنية لفهم عملية صناعة الفيلم.
ثمانية أفلام لتفسير أسرار السيناريو
تستعين المؤلفة بمجموعة من الأفلام الكلاسيكية لتوضيح العناصر المختلفة التي يقوم عليها السيناريو.
فتبدأ الحديث عن «نوسفيراتو، سيمفونية الرعب»، الفيلم الألماني الذي ظهر عام 1922، من سيناريو هنريك جالين وإخراج فريدريش فيلهلم مورناو، بوصفه نموذجا لبداية كتابة السيناريو.
أما تكوين السيناريو فتتناوله من خلال فيلم «الطريق» عام 1954، الذي كتب السيناريو له فيديريكو فيليني وتوليو بينيلي وإنيو فلايانو، وأخرجه فيليني.
وفي فيلم «الخادم» عام 1963، من سيناريو هارولد بنتر وإخراج جوزيف لوزي، تشرح المؤلفة بناء البداية والذروة والحل.
وتجد في شخصية مايكل كورليوني في «الأب الروحي» نموذجا واضحا لتطور الشخصية، في الفيلم الذي كتب سيناريوه ماريو بوزو وفرانسيس فورد كوبولا وأخرجه كوبولا.
أما بناء التشويق فتختاره في فيلم «سيئة السمعة» عام 1946، الذي كتب سيناريوه بن هيخت وأخرجه ألفريد هيتشكوك.
وتتناول عملية تحويل الأدب إلى لغة سينمائية من خلال «راشومون» عام 1950، من سيناريو أكيرا كوروساوا وشينوبو هاشيموتو وإخراج كوروساوا.
وفي «فيريديانا» عام 1961، من سيناريو لويس بونويل وخوليو أليخاندرو وإخراج بونويل، تتوقف عند التفاصيل والأفكار والرؤية التي يمنحها المخرج للعمل.
أما الحوار السينمائي فيأتي في الفصل المخصص لفيلم «سارقو الدراجات» عام 1948، من سيناريو سيزار زافاتيني وفيتوريو دي سيكا وإخراج دي سيكا.
ويضيف الكتاب في فصله التاسع، المعنون «السيناريو السينمائي كنموذج للأدب»، ملخصا لرواية «قبلة المرأة العنكبوت» للكاتب الأرجنتيني مانويل بويغ، التي تحولت إلى فيلم أخرجه هيكتور بابينكو عام 1985.
حين أصبح السيناريو جنسا إبداعيا مستقلا
تكشف المؤلفة عن اختلاف مبكر في النظرة إلى السيناريو بين مدارس السينما المختلفة.
فقد تعامل عدد من صناع الأفلام الصامتة، ولا سيما في الولايات المتحدة، مع السيناريو باعتباره عنصرا يأتي في مرتبة أدنى من التصوير والمونتاج، وكانت بعض الأفلام تنفذ من دون نص متكامل، اعتمادا على الارتجال أو مجموعة من الملاحظات الأولية.
لكن الروس والألمان اتخذوا موقفا مختلفا، إذ اعتبروا كتابة السيناريو عملا إبداعيا قائما بذاته، وأسهموا في ترسيخ فكرة أن السيناريو يمكن أن يكون جنسا أدبيا له خصائصه وقيمته.
وكان المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين من الذين أصروا على تشبيه السيناريو بالشعر، بينما أصبح كتاب السيناريو في السينما الألمانية شركاء حقيقيين للمخرجين في عملية صناعة الفيلم.
ويبرز في هذا السياق فيلم «عيادة الدكتور كاليجاري» عام 1919، الذي ارتبط اسمه بكاتبيه كارل ماير وهانس يانوفيتش بدرجة تفوق أحيانا ارتباطه بمخرجه روبرت فينه.
وكان كارل ماير يحتاج إلى أيام لكتابة المشهد، لكنه كان قد يستغرق عاما كاملا لإنجاز السيناريو، وهي المدة التي تعكس حجم العناية التي كانت تولى لعملية الكتابة.
وتأثر هنريك جالين، كاتب سيناريو «نوسفيراتو»، بهذه المدرسة، وهو ما أسهم في تحقيق قدر كبير من التكامل بين البناء الدرامي واللغة الأدبية داخل الفيلم.
ومن هنا يصل الكتاب إلى فكرة مهمة مفادها أن المخرج مهما بلغت خبرته لا يستطيع صناعة فيلم جيد اعتمادا على سيناريو ضعيف.
المنظر الأول.. لحظة كشف الحكاية
بالنسبة إلى القارئ، تبدأ قراءة السيناريو من المنظر الأول، لكن هذا المنظر يمثل بالنسبة إلى الكاتب نقطة فاصلة بين ما حدث قبل بدء السيناريو وما سيشاهده الجمهور لاحقا.
فكاتب السيناريو يعرف خلفيات الشخصيات وما مروا به قبل اللحظة التي تبدأ فيها الحكاية، لكنه لا يكشف كل ذلك دفعة واحدة، بل يختار بعناية اللحظة التي ينبغي أن يدخل منها الجمهور إلى عالم الفيلم.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف السيناريو: التحكم في المعلومات، وتحديد ما يعرفه المشاهد ومتى يعرفه، وما الذي يجب أن يبقى مخفيا حتى اللحظة المناسبة.
الحوار ليس بديلا عن الصورة
اختارت كاريتنيكوفا أن تضع موضوع الحوار في نهاية الكتاب، وهو اختيار يبدو مقصودا، لأن فهم وظيفة الحوار يحتاج إلى إدراك كامل لطبيعة الأدوات السينمائية الأخرى.
وتشير المؤلفة إلى أن الحوار السينمائي، مثل المونتاج والإضاءة والتمثيل، ليس نقلا حرفيا للواقع، وإنما صناعة لإيهام المشاهد بأنه أمام واقع حقيقي.
وتحذر من استخدام الحوار كوسيلة لإخفاء ضعف البناء الدرامي، لأن الجمل لا تستطيع إصلاح خلل في الأحداث أو إنقاذ شخصية لم ينجح الكاتب في تطويرها.
وهنا تبرز القاعدة الشهيرة في الفنون البصرية: «أرِ، لا تُخبر».
فالصورة السينمائية قادرة على تقديم المعلومة من دون شرح مباشر، بينما قد يؤدي الإفراط في الحوار إلى تحويل الفيلم إلى خطاب طويل لا يحتاج إلى الشاشة أصلا.
الصمت جزء من الحوار
تصل المؤلفة في نهاية الكتاب إلى فكرة أكثر دقة: الصمت نفسه يمكن أن يكون حوارا.
فكاتب السيناريو لا يحتاج فقط إلى معرفة ما الذي يكتبه وكيف يكتبه، وإنما ينبغي أن يعرف أيضا متى يمتنع عن الكتابة.
وهذا يتطلب من الكاتب أن يسأل نفسه عند كل جملة حوارية عما إذا كان بالإمكان نقل المعلومة بالصورة بدلا من قولها.
وفي السينما، كلما كانت الصورة قادرة على أداء الوظيفة، تراجع دور الحوار إلى المرتبة الثانية. ولذلك فإن الحوار الناجح لا ينافس الصورة، وإنما يعمل معها ويضيف إليها ما لا تستطيع الصورة وحدها قوله.
أزمة الحوار الإنشائي في السينما المصرية
تبدو هذه القاعدة أكثر أهمية عند النظر إلى بعض التجارب السينمائية التي أصبح فيها الحوار قادرا على الاستغناء عن الصورة نفسها، بحيث يمكن للمشاهد أن يكتفي بسماع الجمل من دون حاجة فعلية إلى متابعة ما يجري على الشاشة.
وتبرز هنا تجربة السيناريست الراحل وحيد حامد.
ففي عام 1999، أرسل حامد سيناريو فيلم «سوق المتعة» إلى المخرج داود عبد السيد، لكنه اعتذر عن إخراجه، إذ كان يتحفظ على السيناريوهات التي تتحول في نهايتها إلى ما يشبه التقرير المصور.
كان عبد السيد يبحث عن السينما التي تعتمد على الدراما والصورة والشخصيات، ولا يريد أن تتحول الأفلام إلى تعليقات مباشرة على الأحداث السياسية والاجتماعية، أو إلى بيانات مصورة.
وفي النهاية ذهب مشروع «سوق المتعة» إلى المخرج سمير سيف.
ويشير المقال إلى أن الكاتب يوسف إدريس كان قد رأى، في عام 1971، أن وحيد حامد يمتلك قدرة تناسب الكتابة الإذاعية أكثر من القصة، بعدما قرأ مجموعته القصصية الوحيدة «القمر يقتل عاشقه»، وقال له مشيرا إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون: «مكانك هنا يا وحيد».
الجملة الشهيرة لا تنجح وحدها
تبدو بعض أفلام وحيد حامد وكأنها تراهن على قوة الجملة الحوارية أكثر من اعتمادها على البناء السينمائي، وهو ما يظهر في أعمال مثل «الراقصة والسياسي» و**«الإرهاب والكباب»** و**«طيور الظلام»** و**«دم الغزال»**.
فالجملة الصاخبة يمكن أن تمنح المشاهد لحظة حماس، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة مشهد سينمائي عظيم.
وفي قائمة معهد الفيلم الأميركي لأفضل 100 اقتباس سينمائي، جاء في المركز الثاني قول مارلون براندو في «الأب الروحي»: «سأقدم له عرضا لن يستطيع رفضه»، بينما احتلت كلمة «Rosebud» الغامضة في نهاية فيلم «المواطن كين» المركز السابع عشر.
لكن قوة هذه العبارات لا تأتي من صياغتها اللغوية وحدها، وإنما من السياق الدرامي الذي ولدت داخله، ومن أداء الممثل، ومن تراكم الأحداث التي جعلت الجملة أو الكلمة تحمل دلالات أكبر من عدد كلماتها.
ولو وضعت الجملة نفسها في سياق آخر، أو قيلت بصوت ممثل آخر ومن دون البناء الدرامي الذي سبقها، لما احتفظت بالقوة ذاتها.
السيناريو الجيد يفتح أبوابا جديدة
تكمن قيمة كتاب «كيف تتم كتابة السيناريو» في أنه لا يكتفي بتعليم القارئ مجموعة من القواعد التقنية، وإنما يجعله يرى العلاقة المعقدة بين الأدب والسينما والشخصية والحوار والصورة.
فالسيناريو، في تصور الكتاب، ليس مجرد مخطط ينتهي دوره بمجرد بدء التصوير، بل هو أحد الأسس الإبداعية التي يقوم عليها الفيلم.
ومن خلال الأفلام التي اختارتها كاريتنيكوفا، يجد القارئ نفسه أمام تاريخ كامل من التجارب السينمائية، من السينما التعبيرية الألمانية إلى الواقعية الجديدة الإيطالية، ومن هيتشكوك إلى كوروساوا وبونويل وكوبولا.
وربما لهذا السبب ينجح الكتاب في أداء وظيفة تتجاوز عنوانه: فهو لا يشرح فقط كيف يُكتب السيناريو، وإنما يجعل القارئ يرغب في مشاهدة الأفلام التي يناقشها، والعودة إلى أفلام أخرى صنعتها الأسماء نفسها، والبحث عن سيناريوهات وتجارب جديدة.
وهنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقي؛ فالعمل الإبداعي النادر لا يغلق الباب عند نهايته، بل يفتح أبوابا أخرى. وهذا الكتاب، من خلال السيناريو، يفتح متاهة واسعة من الأدب والسينما والتاريخ الفني، ويترك القارئ في قلبها راغبا في مواصلة الرحلة.





