ترمب يعيد لقاحات الأطفال إلى قلب الجدل في أميركا وسط مخاوف من تراجع التطعيم

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملف لقاحات الأطفال إلى واجهة النقاش السياسي والصحي في الولايات المتحدة، بعد توقيعه أمرا تنفيذيا يدعو إلى إعادة النظر في عدد اللقاحات الموصى بها للأطفال وآلية إعطائها، بما في ذلك مقترح فصل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى 3 جرعات مستقلة.
وتأتي الخطوة في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة ارتفاعا ملحوظا في الإصابات بالحصبة، ما أثار تحذيرات من خبراء ووسائل إعلام أميركية وبريطانية بشأن التداعيات المحتملة لأي تغيير في برنامج التطعيم، خصوصا إذا أدى إلى تأخير حصول الأطفال على الجرعات الضرورية.
تحذيرات من تأخير التطعيم
وتشير صحيفة «غارديان» إلى أن إعادة تنظيم جدول لقاحات الأطفال قد تتسبب في إرباك الأسر، خاصة إذا تطلب الحصول على بعض الجرعات زيارات منفصلة إلى الطبيب.
ويرى خبراء في الصحة العامة أن زيادة عدد المواعيد الطبية المطلوبة قد تدفع بعض الأسر إلى عدم استكمال الجرعات اللاحقة، وهو ما يمكن أن يترك الأطفال لفترات أطول دون حماية من أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع ارتفاع حالات الحصبة في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 3 عقود، وفقا لما أوردته الصحيفة.
ولا تقتصر المخاوف على تقليص عدد اللقاحات المدرجة في التوصيات، وإنما تشمل أيضا الطريقة التي ستُطبق بها التغييرات ومدى تأثيرها في معدلات الالتزام ببرامج التطعيم.
قلق من انتقال الشكوك إلى دول أخرى
ويمتد الجدل إلى ما وراء الولايات المتحدة، إذ تحذر أصوات علمية من أن تأثير السياسة الجديدة قد لا يقتصر على النظام الصحي الأميركي، حتى إذا قررت دول أخرى عدم تبني التغييرات نفسها.
وترى «غارديان» أن الخطر قد يتمثل في انتشار الشكوك والمعلومات المضللة بشأن اللقاحات، بما يؤدي إلى تراجع ثقة الأهالي بها وانخفاض معدلات التطعيم في دول مختلفة.
وقد يفتح انخفاض التغطية باللقاحات المجال أمام عودة أمراض معدية سبق أن جرى الحد منها بدرجة كبيرة، خصوصا في المجتمعات التي تعتمد على معدلات مرتفعة من التطعيم للحفاظ على مستوى الحماية الجماعية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن جداول التطعيم ينبغي أن تستند إلى تقييمات علمية مستقلة، بعيدا عن الحسابات والتجاذبات السياسية.
نيويورك تايمز تنتقد تقليص اللقاحات
وتبنت صحيفة «نيويورك تايمز» موقفا أكثر حدة من السياسة الجديدة، في مقال رأي حمل عنوانا ينتقد بصورة مباشرة تقليص تطعيمات الأطفال.
ويستند المقال إلى أهمية اللقاحات في تاريخ الطب الوقائي، باعتبارها من أبرز التدخلات التي ساهمت في خفض الوفيات والأمراض المعدية لدى الأطفال، بعدما كانت تلك الأمراض من الأسباب الرئيسية للوفاة في مراحل سابقة من التاريخ الطبي.
ويحذر الكاتب من أن تقليص فرص حصول الأطفال على اللقاحات قد يعرض أعدادا كبيرة منهم لأمراض خطيرة، وربما مميتة، مشيرا إلى أن برامج التطعيم ساهمت على مدى عقود في منع مئات الملايين من الإصابات بالأمراض المعدية.
الجدل حول اللقاحات والتوحد
ويرتبط النقاش أيضا بالادعاءات التي يكررها ترمب ووزير الصحة روبرت كينيدي جونيور بشأن وجود علاقة بين اللقاحات والتوحد.
وتشير الانتقادات الموجهة إلى هذه الادعاءات إلى أن الدراسات العلمية المتراكمة لم تثبت وجود علاقة سببية بين اللقاحات والتوحد، وأن الفرضية التي تربط بينهما جرى دحضها مرارا في الأبحاث الطبية.
ويرى منتقدو سياسة ترمب أن إعادة فتح هذا الملف في ظل تزايد الإصابات بالحصبة قد تسهم في تعزيز الشكوك لدى بعض الأسر، بدلا من التركيز على رفع معدلات التطعيم وحماية الأطفال من الأمراض المعدية.
تغييرات في عدد من اللقاحات
وفي سياق التعديلات المقترحة، تتجه السياسة الجديدة إلى تقليص عدد اللقاحات التي توصى بها بصورة روتينية لمعظم الأطفال، مع إعادة تصنيف بعض اللقاحات، بينها لقاحات التهاب الكبد والإنفلونزا وكوفيد-19 وفيروس الروتا.
وبموجب التصور الجديد، يمكن أن تصبح بعض هذه اللقاحات موجهة بصورة أكبر إلى الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، أو تخضع لما يعرف بـ«القرار الطبي المشترك»، الذي يترك مساحة أكبر للنقاش بين الطبيب ووالدي الطفل قبل تحديد الحاجة إلى التطعيم.
كما أثار مقترح فصل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، المعروف باسم لقاح «MMR»، إلى 3 حقن منفصلة جدلا إضافيا.
وترى «وول ستريت جورنال» أن تطبيق هذا التغيير قد يتطلب تعديلات في عمليات تصنيع اللقاحات تستغرق سنوات، فضلا عن احتمال زيادة عدد الزيارات الطبية التي تحتاجها الأسر للحصول على الجرعات المختلفة.
مقارنة أميركا بأوروبا محل خلاف
وتشكك الانتقادات أيضا في المقارنات التي تجريها إدارة ترمب بين عدد اللقاحات الموصى بها في الولايات المتحدة ونظيره في بعض الدول الأوروبية.
ويرى منتقدون أن المقارنة لا يمكن أن تقوم على عدد اللقاحات وحده، لأن اختلاف انتشار الأمراض بين الدول، وتركيبة السكان، وطبيعة الأنظمة الصحية، والسياسات الوطنية الخاصة بالتطعيم، كلها عوامل تؤثر في الجداول المعتمدة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديا صحيا متزايدا مع ارتفاع إصابات الحصبة، ما يجعل أي تغيير في سياسات التطعيم موضع تدقيق واسع من الأطباء وخبراء الصحة العامة.
وبينما تقول إدارة ترمب إن إعادة تقييم برنامج اللقاحات تستهدف مراجعة التوصيات وتحسين طريقة التعامل معها، يحذر منتقدوها من أن تقليص التطعيمات أو تعقيد الحصول عليها قد يؤدي إلى انخفاض معدلات التحصين، ويعيد إلى الواجهة أمراضا كان يمكن السيطرة عليها بدرجة كبيرة بفضل برامج التطعيم.





