ثقافة

فواز حداد.. يوميات كاتب يرى أن الكتابة تبدأ قبل أن يمسك القلم

في الثامنة صباحا، كان الروائي السوري فواز حداد قد اختار مكانه المعتاد في أحد أركان مقهى “نيرو” بمدينة ريتشموند جنوب غربي لندن، قبل ساعات من الموعد الذي جمعه بصحفي جاء للحديث معه عن الكتابة وعاداتها اليومية.

طلبه معروف لدى النادلة: كوب كابتشينو واحد، قد يبقى أمامه لساعات طويلة حتى يبرد تدريجيا. يفتح حاسوبه، يراجع ما كتبه في اليوم السابق، ويستمع إلى الموسيقى، بينما يظل القلم إلى جوار الكوب من دون أن تمتد إليه يده.

تمر التاسعة ثم العاشرة، ولا تزال الكتابة الفعلية لم تبدأ.

وعندما وصل الصحفي إلى المقهى في الحادية عشرة والربع، كانت اللحظة التي ينتظرها حداد قد حانت تقريبا. فالروائي الذي اعتاد تخصيص أيام الأسبوع كلها للكتابة والعمل لا يرى أن الساعات التي يقضيها أمام الحاسوب قبل الإمساك بالقلم أو لوحة المفاتيح وقت ضائع، بل يعدها جزءا أساسيا من العملية الإبداعية.

ويقول حداد إن العمل الفعلي خلال يومه لا يتجاوز ساعتين، لكن الوصول إلى تلك المرحلة يحتاج إلى وقت من الاستعداد النفسي والذهني، يشبه عملية إشعال النار وتهيئتها قبل بدء العمل.

طقس الدخول إلى الرواية

يبدأ يوم فواز حداد في السادسة صباحا، حين يستيقظ ويتناول إفطارا خفيفا قبل أن يتفرغ لعمله. ثم يتابع الأخبار ويجمع المواد التي قد يحتاج إليها لاحقا، ويحتفظ بها في ملفات خاصة يمكن أن يعود إليها عندما يبدأ مشروعا روائيا جديدا.

بعد ذلك يمارس الرياضة لفترة قصيرة، ثم يتوجه إلى المقهى الذي أصبح جزءا من طقوسه اليومية.

ولا يرى حداد أن الكتابة يمكن أن تبدأ بمجرد الجلوس أمام الحاسوب، إذ يحتاج أولا إلى استعادة أجواء الرواية التي يعمل عليها، وقراءة ما كتبه في اليوم السابق وربما أجزاء أقدم، حتى يستعيد حالة الانغماس في عالم الشخصيات والأحداث.

ويرافق الموسيقى أحيانا هذه المرحلة، إذ يرى أنها تساعده على الانفصال عن المحيط الخارجي وتهيئة مزاجه للكتابة.

ولهذا، فإن وصوله إلى المقهى في الثامنة صباحا لا يعني أنه سيبدأ الكتابة في اللحظة نفسها، فقد تمر ثلاث ساعات قبل أن تظهر الفكرة التي تدفعه فعليا إلى مواصلة النص.

ويصف حداد تلك اللحظة بأنها “الشرارة”، وقد تأتي على هيئة جملة أو مشهد أو فكرة مفاجئة أثناء قراءة ما كتبه، ثم تتحول إلى نقطة انطلاق للعمل.

بعدها يمكن أن يقضي ساعتين أو ثلاثا في الكتابة الفعلية، بينما تكون الفكرة الجديدة قد اندمجت تدريجيا في السياق العام للرواية.

الكتابة على مهل

يكتب حداد أعماله على الحاسوب، لكنه لا يستخدم لوحة المفاتيح بالسرعة التي قد يتوقعها البعض من كاتب يقضي ساعات طويلة أمام جهازه، إذ يعتمد غالبا على إصبع أو إصبعين فقط في الكتابة.

ويرى أن بطء الكتابة ليس عيبا بالنسبة إليه، بل وسيلة تمنحه وقتا إضافيا للتفكير في الجملة والأحداث والشخصيات قبل نقلها إلى النص.

وبالنسبة إليه، فإن التمهل أثناء الكتابة يسمح للفكرة بأن تنضج بالتوازي مع عملية صياغتها، فلا يصبح انتقالها إلى الشاشة مجرد عملية نسخ لأفكار جاهزة.

وعندما يحين منتصف النهار ويغادر المقهى، لا تنتهي علاقته بالرواية. على العكس، ينتقل العمل من مرحلة الكتابة المباشرة إلى مساحة ذهنية أوسع.

فأثناء تنقله بالسيارة أو الحافلة، أو خلال مشيه في شوارع لندن، تظل الرواية حاضرة في ذهنه، حتى لو لم يكن يفكر فيها بصورة واعية ومباشرة.

ويبحث في تلك اللحظات عن حلول للمشكلات التي تواجهه في النص، وقد تظهر كلمة أو فكرة كان يحتاج إليها من دون أن يكون قد خطط للوصول إليها.

الرواية ترافقه خارج المقهى

يقول حداد إن بعض الحلول المتعلقة بعمله الروائي تأتيه أثناء المشي، في لحظات لا يكون فيها جالسا أمام الحاسوب.

وهذه الطريقة تكشف بالنسبة إليه أن الكتابة لا تقتصر على اللحظة التي تتحرك فيها الأصابع فوق لوحة المفاتيح، وإنما تمتد إلى التفكير والملاحظة والبحث والتأمل طوال اليوم.

فالكاتب، في تجربته، لا يترك الرواية بمجرد إغلاق الحاسوب أو مغادرة المقهى، وإنما تستمر شخصياتها وأحداثها في الخلفية، وتظهر أحيانا أفكار جديدة من دون تخطيط مسبق.

ويشبه حداد هذه الأفكار بلحن قد يجد الإنسان نفسه يردده فجأة من دون أن يعرف كيف حضر إلى ذاكرته.

فواز حداد ومسيرة روائية طويلة

ولد فواز حداد في دمشق عام 1947، ودرس الحقوق في جامعة دمشق، لكنه تأخر في نشر روايته الأولى “موزاييك دمشق 39” التي صدرت عام 1991.

وخلال مسيرته الأدبية، انشغل في أعماله بتاريخ المجتمع السوري وتحولاته السياسية والاجتماعية، كما تناول علاقة الفرد بالسلطة وقضايا الحرية والاعتقال وبنية المؤسسات السياسية.

ووصلت روايته “المترجم الخائن” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر” عام 2009، كما أصدر عددا من الروايات التي تناولت جوانب مختلفة من التاريخ والمجتمع السوري، من بينها “الضغينة والهوى” و”السوريون الأعداء” و”جنود الله” و”يوم الحساب”.

وتكشف عاداته اليومية أن الكتابة بالنسبة إليه ليست نشاطا منفصلا عن بقية حياته، بل نظاما يوميا متكاملا يبدأ بالقراءة والمتابعة والتهيئة، ثم يتحول إلى كتابة فعلية، قبل أن تستمر الرواية في ذهنه خلال ساعات اليوم الأخرى.

وبهذا المعنى، فإن الساعات الطويلة التي يقضيها في المقهى لا تقاس بعدد الصفحات التي ينجزها، وإنما بما تتيحه له من وقت للدخول تدريجيا إلى عالم الرواية، حتى تأتي اللحظة التي تتحول فيها الفكرة إلى نص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى