ثقافة

من غرف المستشفيات إلى رحاب الفكر الإسلامي.. طبيب أميركي يبحث عن معنى الموت والكرامة

وسط أصوات أجهزة التنفس الاصطناعي في أحد مستشفيات شيكاغو، حاول طبيب الرعاية التلطيفية طارق لطيف مساعدة رجل يحتضر على إيصال كلماته الأخيرة إلى ابنه عبر الهاتف. كان صوت المريض يضيع وسط ضجيج الأجهزة، فلم يجد الطبيب سوى تقريب الهاتف من فمه وترديد كلماته نيابة عنه جملة بعد أخرى.

وصل الابن مسرعا إلى المستشفى، لكنه لم يتمكن من سماع والده، الذي فقد وعيه بشكل كامل قبل لحظات من وصوله.

لم تمر تلك الواقعة على لطيف باعتبارها موقفا عابرا، بل شكلت نقطة تحول عميقة في مسيرته المهنية والفكرية. فقبل نحو ستة أشهر، كان قد أشرف على علاج زوجة الرجل نفسها، وساعد الأسرة آنذاك في اتخاذ قرار يسمح لها بقضاء أيامها الأخيرة في منزلها، بعيدا عن الأجهزة والعلاجات التي قد تطيل معاناتها.

أما الآن، فقد وجد نفسه أمام الزوج في اللحظات الأخيرة من حياته، وقد تحولت الوسائل الطبية التي تبقيه على قيد الحياة إلى حاجز يحول دون توديعه لأسرته بالطريقة التي يريدها.

لطيف، البالغ من العمر 40 عاما، كان قد تلقى تعليما طبيا مرموقا، وتدرّب على التعامل مع أعقد الحالات السريرية، لكنه شعر في تلك اللحظة بأن أدوات المهنة وحدها لا تكفي للإجابة عن الأسئلة التي تواجه الطبيب عندما يصبح الموت أمرا حتميا.

لم يعد السؤال بالنسبة إليه متعلقا بكيفية تقديم رعاية طبية أفضل فحسب، وإنما امتد إلى أسئلة أكثر جوهرية: ما الغاية الأساسية من الطب؟ وما الذي يجعل الموت كريما؟ ومن يملك الحق في اتخاذ القرار النهائي بشأن جسد الإنسان وحياته؟

حين بدأت الأسئلة تتجاوز حدود الطب

يعمل طارق لطيف في مجال الرعاية التلطيفية، التي تركز على تخفيف الألم والمعاناة ومساندة المرضى وأسرهم خلال المراحل المتقدمة من الأمراض، لكنه مع مرور السنوات بدأ يشعر بأن الأسئلة التي يواجهها تتجاوز ما تلقاه خلال دراسته الطبية.

ودفعه ذلك إلى البحث في الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الأخلاقيات الطبية الحديثة، ليكتشف، بحسب وصفه، فجوة بين التعقيد الذي تبدو عليه هذه المنظومة في تطبيقاتها العملية وبين هشاشة بعض الأسس الفكرية التي تقوم عليها.

ويقول لطيف إن الأخلاقيات الطبية الغربية تبدو شديدة التنظيم والتعقيد عند تطبيقها في الواقع، لكنه عندما بحث في جذورها الفلسفية وجد أن كثيرا من تلك الأسس لم تكن بالمتانة التي توقعها.

ومن بين المواقف التي أثرت فيه نقاش أكاديمي دار بين عدد من الأساتذة حول مسألة الحقوق الأخلاقية للحيوانات، وصل إلى التساؤل عما إذا كانت بعض القردة قد تستحق حقا في الحياة بدرجة أعلى من الأطفال الرضع بسبب امتلاكها قدرات إدراكية أكبر.

وأثارت مثل هذه النقاشات لدى لطيف سؤالا أوسع حول مدى ابتعاد بعض الطروحات الفلسفية المجردة عن الحدس الأخلاقي الذي يحكم نظرة الإنسان الطبيعية إلى الحياة والموت.

اكتشاف الأخلاقيات الإسلامية

قاد البحث لطيف إلى مجال لم يكن يتوقع أن يصبح محوراً رئيسياً في حياته. بدأت القصة من نقاش عابر حول الأخلاقيات الحيوية الإسلامية، قبل أن يحضر محاضرة في جامعة شيكاغو للدكتور عاصم باديلا.

هناك، استمع إلى طرح يجمع بين الممارسة الطبية السريرية وأصول الفكر الإسلامي، وهو ما ترك لديه انطباعا مختلفا عن الصورة التي كان يحملها عن العلاقة بين الدين والطب والأخلاق.

وجد لطيف في ذلك الطرح إطارا فكريا متماسكا، لا مجرد مجموعة من المصطلحات أو الإجابات المنفصلة، الأمر الذي جعله يعيد النظر في أسئلة كانت ترافقه منذ سنوات.

لكن اكتشافه هذا فتح أمامه سؤالا آخر: إذا كان هذا التراث الفكري يمتلك مثل هذه الأدوات لمعالجة القضايا الأخلاقية المعقدة، فلماذا احتاج كل هذا الوقت حتى يصل إليه؟

كان لطيف يصف نفسه بأنه تلقى تعليما طبيا باهظ التكلفة، لكنه كان يشعر في الوقت نفسه بأن هناك جزءا أساسيا من تراثه الثقافي والديني لم يحصل على فرصة كافية لفهمه. وكان يثير قلقه احتمال أن يمضي عقودا من حياته دون أن يتمكن من فهم لغة القرآن أو استيعاب عمق التراث الذي ينتمي إليه.

وبمرور الوقت، شعر وكأنه يعيش بين مسارين منفصلين؛ مسار مهني يسعى من خلاله إلى أن يصبح طبيبا متمكنا، ومسار فكري وديني لم يبدأ في استكشافه إلا بعد سنوات.

ولمحاولة الجمع بين الجانبين، انتقل لطيف وزوجته إلى شيكاغو، حيث واصل عمله طبيبا متخصصا في رعاية المرضى المحتضرين، والتحق في الوقت نفسه ببرنامج الماجستير في الأخلاقيات الحيوية بجامعة نورث وسترن، إلى جانب مشاركته في برنامج السبت في كلية دار القاسم الإسلامية.

هناك، بدأ المساران اللذان عاشهما منفصلين لسنوات يلتقيان تدريجيا. ولم يعد يرى هويته الدينية باعتبارها أمرا يجب فصله عن عمله الطبي، بل وجد في الفكر الإسلامي إطارا مرجعيا يساعده على ممارسة الطب من منظور أكثر تكاملا.

دار القاسم وإعادة تعريف دور العالم

تقع كلية دار القاسم في مبنى هادئ وسط منطقة تجارية في ضاحية هوفمان إستيتس بالقرب من شيكاغو. ولا يوحي شكل المبنى الخارجي بطبيعة النشاط الذي يجري داخله، لكن جدرانه تحمل إشارات واضحة إلى مشروع علمي يسعى إلى الجمع بين العلوم الإسلامية والقضايا المعاصرة.

وتحمل إحدى اللوحات اسم مولانا محمد قاسم النانوتوي، عالم القرن التاسع عشر الذي أسس مدرسة دار العلوم ديوبند في الهند خلال فترة الاستعمار البريطاني، بهدف الحفاظ على تقاليد التعليم والعلوم الإسلامية.

وبالقرب من اللوحة توجد شجرة صفصاف مصنوعة من الفولاذ المطرق ومثبتة على الجدار، وهي مستوحاة من اعتقاد شعبي قديم يرى أن وجود شجرة الصفصاف قد يشير إلى وجود مياه جوفية.

أما الشيخ محمد أمين خلوادية، مؤسس دار القاسم، فينظر إلى الشجرة باعتبارها رمزا لفلسفة المؤسسة؛ فالماء يمثل المعرفة، بينما يمثل طالب العلم الشخص الذي يبحث عنها ويكتشف مصادرها.

نشأ خلوادية في المملكة المتحدة قبل انتقاله إلى شيكاغو عام 1984، وتلقى تعليمه الديني في الهند وباكستان على يد عدد من كبار علماء الفقه والكلام.

ويرى أن مشروع دار القاسم يمثل امتدادا معاصرا للمشروع العلمي الذي ارتبط بالنانوتوي، لكن في بيئة مختلفة تماما، داخل الولايات المتحدة.

ويؤكد خلوادية أن دور العالم في التصور الإسلامي التاريخي كان أوسع من أداء الشعائر أو تعليم الأطفال القرآن، إذ كان العلماء يشاركون في صياغة الرؤى الفقهية والأخلاقية ويوجهون جوانب مختلفة من الحياة العامة.

ويرى أن التحولات التاريخية، ومن بينها الاستعمار، ساهمت في تضييق هذا الدور وحصره تدريجيا داخل المؤسسات الدينية والمساجد، بينما تسعى دار القاسم إلى إعادة توسيع مفهوم العالم بما يتلاءم مع تعقيدات العصر الحديث.

ويقول خلوادية إن المؤسسة تتبنى رؤية أوسع من النموذج التقليدي، لأن الظروف التي يعيش فيها المسلمون اليوم مختلفة، ولأن القضايا التي يواجهونها تتطلب معرفة تتجاوز حدود التعليم الديني التقليدي.

من جانبه، يرى نعمان ظهير، مدير التواصل المجتمعي في الكلية، أن مشروع دار القاسم لا يقتصر على رفع سقف الطموحات العلمية، وإنما يهدف إلى إعادة بناء المعايير التي تحدد مفهوم “العالم”، وتحديد من يمتلك الأهلية لتمثيل الفكر الإسلامي والتعامل معه في سياقات معاصرة شديدة التعقيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى