من مشكلات صغيرة إلى شركات بمليارات الدولارات.. كيف تحولت فكرتا شوبيفاي وإير بي إن بي إلى إمبراطوريتين عالميتين؟

واجه شابان في كندا صعوبات في إنشاء متجر إلكتروني لبيع ألواح التزلج على الجليد، بعدما اكتشفا أن الأدوات والبرامج المتاحة آنذاك لا توفر الإمكانات التي يحتاجها مشروعهما. وفي مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، كان شابان آخران يبحثان عن طريقة لتغطية تكاليف إيجار شقتهما، فقررا تأجير جزء منها للزوار القادمين إلى المدينة.
قد تبدو المشكلتان عاديتين، وتشبهان التحديات التي تواجه كثيرا من الشباب في بداية حياتهم المهنية، لكنهما تحوّلتا لاحقا إلى نقطتي انطلاق لمشروعين تجاريين أحدثا تغييرا كبيرا في عالم التجارة الإلكترونية والسفر والإقامة.
فقد نجح أصحاب التجربتين في تحويل الحلول التي ابتكروها لمشكلاتهم الشخصية إلى شركتين عالميتين هما «شوبيفاي» (Shopify) و«إير بي إن بي» (Airbnb)، اللتان تجاوزت إيرادات كل منهما 10 مليارات دولار سنويا.
لكن الوصول إلى هذه المكانة لم يكن نتيجة فكرة مبتكرة فحسب، بل استغرق سنوات من التطوير والتوسع وجذب العملاء، إلى جانب مواجهة أزمات اقتصادية وتشغيلية كادت تهدد استمرار المشروعين.
فكيف تحولت مشكلتان بسيطتان إلى فرصتين تجاريتين بمليارات الدولارات؟ وما العوامل التي ساعدت الشركتين على التوسع عالميا؟ وهل يمكن لفكرة صغيرة أن تكون نقطة البداية لبناء شركة عملاقة؟
كيف بدأت الحكاية؟
تعود بداية قصة شوبيفاي إلى عام 2004، عندما قرر المبرمج الألماني توبياس لوتكه وشركاؤه إنشاء متجر إلكتروني في كندا لبيع ألواح التزلج على الجليد، وأطلقوا عليه اسم «سنو ديفل».
لكن المؤسسين اصطدموا بمشكلة تقنية لم تكن مرتبطة بالمنتجات أو العملاء، وإنما بضعف الأدوات المتاحة لإنشاء المتاجر الإلكترونية وإدارتها، إذ لم تكن الحلول الموجودة آنذاك توفر المرونة المطلوبة لتصميم المتجر وتشغيله.
ودفع ذلك لوتكه إلى تطوير برنامج خاص يلبي احتياجات مشروعه، قبل أن يكتشف أن الأداة التي ابتكرها يمكن أن تتحول إلى منتج مستقل يخدم آلاف التجار الذين يواجهون المشكلة نفسها.
وهكذا تغير مسار المشروع من بيع معدات التزلج إلى تطوير منصة تقنية تساعد الآخرين على إنشاء متاجرهم الإلكترونية وإدارة أعمالهم، وصولا إلى إطلاق شوبيفاي رسميا عام 2006.
أما قصة إير بي إن بي، فقد بدأت عام 2007 في مدينة سان فرانسيسكو، عندما واجه برايان تشيسكي وجو جيبيا صعوبة في تغطية تكاليف إيجار شقتهما.
وجاءتهما فكرة استغلال مساحة داخل الشقة لاستضافة الزوار خلال مؤتمر للتصميم شهدته المدينة، من خلال توفير مراتب هوائية وأماكن للنوم مقابل رسوم.
ونجحت التجربة الأولى في استضافة ثلاثة أشخاص، ما شجع المؤسسين على تطوير الفكرة، قبل انضمام ناثان بليتشارزيك إليهما لتأسيس المشروع.
وأطلق الثلاثة موقعا حمل في البداية اسم «إيربد آند بريكفاست»، قبل أن يتحول لاحقا إلى منصة «إير بي إن بي» المعروفة عالميا.
ومع ذلك، لم تحقق المنصة انطلاقة قوية عند إطلاقها رسميا في مارس/آذار 2008، إذ لم تسجل سوى حجزين في بدايتها، قبل أن تبدأ في جذب اهتمام أكبر خلال الفعاليات السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة في العام نفسه.
أين تكمن الفرصة الاقتصادية؟
لم يكن امتلاك برنامج لإنشاء متجر إلكتروني أو توفير غرفة للإقامة كافيا لبناء شركتين عالميتين، وإنما تمثلت الخطوة الأهم في تحويل الحلول التي ابتكرها المؤسسون إلى خدمات قابلة للتوسع، يمكن لأعداد كبيرة من المستخدمين الاستفادة منها مقابل رسوم.
فبدلا من الاعتماد على بيع معدات التزلج، اتجهت شوبيفاي إلى تقديم منصة متكاملة تتيح للتجار إنشاء متاجرهم الإلكترونية وإدارة المنتجات والطلبات والمدفوعات، مقابل اشتراكات وخدمات إضافية.
وساعد هذا النموذج الشركة على تحقيق إيرادات من آلاف وملايين المتاجر، بدلا من الاعتماد على مبيعات متجر واحد، كما أتاح لها توسيع خدماتها دون الحاجة إلى امتلاك المنتجات التي يبيعها التجار.
ومع تطور أعمالها، لم تعد الاشتراكات المصدر الرئيسي لإيرادات الشركة، إذ أظهر تقريرها السنوي المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن خدمات الاشتراك شكلت نحو 24% من إجمالي الإيرادات خلال عام 2025، بينما جاءت النسبة المتبقية من الخدمات المقدمة للتجار، وفي مقدمتها معالجة المدفوعات والأدوات المرتبطة بعمليات البيع.
أما إير بي إن بي، فقد اعتمدت نموذجا اقتصاديا مختلفا يقوم على الوساطة بين أصحاب العقارات والمسافرين.
فبدلا من شراء الفنادق والعقارات وتحمّل تكاليف تشغيلها وصيانتها، وفرت الشركة منصة رقمية تجمع أصحاب أماكن الإقامة الراغبين في تأجيرها مع المسافرين الباحثين عن خيارات للحجز، مقابل حصولها على رسوم من المعاملات التي تتم عبر المنصة.
ويمنح هذا النموذج الشركة فرصة للتوسع دون الحاجة إلى امتلاك أصول عقارية ضخمة، إذ يرتبط نموها بزيادة عدد أماكن الإقامة المعروضة وجذب المزيد من المسافرين، وهو ما يخلق علاقة متبادلة بين جانبي السوق.
كيف حققت الشركتان قفزتهما الكبرى؟
رغم أن الشركتين قدمتا حلولا لمشكلات حقيقية، فإن الوصول إلى العملاء وإقناع المستثمرين بجدوى المشروعين لم يكن أمرا سهلا.
وكانت إير بي إن بي من أكثر المشاريع التي واجهت صعوبات في بدايتها، إذ شكك كثير من المستثمرين في إمكانية نجاح فكرة تقوم على استضافة أشخاص غرباء داخل منازل الآخرين.
وفي عام 2008، ومع اقتراب نفاد الأموال المتاحة للمؤسسين، لجأوا إلى وسيلة غير تقليدية لجمع التمويل، تمثلت في تصميم عبوات لحبوب الإفطار تحمل صورا ورسومات ساخرة مرتبطة بالمرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ونجحوا في بيع تلك العبوات وجمع ما بين 20 ألفا و30 ألف دولار، وفقا لرواية نشرتها مجلة «ويرد» عن المراحل الأولى لتأسيس الشركة.
ورغم أن المبلغ لم يكن كافيا لبناء شركة كبيرة، فإنه منح المؤسسين فرصة لمواصلة العمل وتطوير المشروع، قبل انضمامهم عام 2009 إلى برنامج «واي كومبيناتور» لدعم الشركات الناشئة، الذي وفر لهم تمويلا أوليا وإرشادات ساعدتهم على تحسين نموذج أعمالهم.
ومع نمو عدد المستخدمين، بدأت المنصة تستفيد من تأثير الشبكة، إذ يؤدي ارتفاع عدد أماكن الإقامة المعروضة إلى توفير خيارات أوسع للمسافرين، بينما يشجع تزايد الحجوزات أصحاب العقارات على الانضمام إلى المنصة.
وساعد هذا النموذج الشركة على تجاوز السوق الأمريكية والتوسع في أسواق دولية عديدة.
وبحلول فبراير/شباط 2026، أعلنت إير بي إن بي أن منصتها تضم أكثر من 9 ملايين إعلان إقامة نشط في أكثر من 220 دولة ومنطقة، وأن إجمالي مرات وصول الضيوف إلى أماكن الإقامة عبرها منذ تأسيسها تجاوز 2.5 مليار مرة.
<PRIVATE_PERSON> شوبيفاي، لم تكن البدايات أقل صعوبة، إذ كشف مؤسسها توبياس لوتكه في مقابلة مع موقع «سيغنال في نويز» أنه وشريكه لم يتمكنا من الحصول على رواتب حتى بعد إطلاق المنصة.
واضطر لوتكه وزوجته إلى الإقامة مع والديها لتقليل النفقات، في حين اعتمد المشروع في تمويله الأولي على مدخرات شخصية ومساهمات من العائلة والأصدقاء، إلى جانب أرباح محدودة من بيع معدات التزلج.
وبعد تجاوز تلك المرحلة، بدأت شوبيفاي في تطوير خدماتها وتوسيع منظومتها التقنية تدريجيا.
ففي عام 2009، أطلقت متجر التطبيقات الذي أتاح للمطورين تقديم أدوات وإضافات تساعد التجار على تحسين متاجرهم، ثم وسعت خدماتها عام 2013 لتشمل معالجة المدفوعات وإمكانية البيع داخل المتاجر التقليدية.
ومع مرور الوقت، تحولت المنصة من برنامج طوره مؤسسو متجر صغير إلى منظومة تقنية متكاملة يستخدمها ملايين التجار في أكثر من 175 دولة، وتخدم شركات ومشروعات بمختلف الأحجام.
شوبيفاي وإير بي إن بي.. شركات تتجاوز إيراداتها 10 مليارات دولار
تكشف النتائج المالية للشركتين حجم التحول الذي شهدته أعمالهما خلال السنوات الماضية، بعدما انتقلتا من مشروعين ناشئين محدودي الإمكانات إلى شركتين عالميتين تحققان إيرادات بمليارات الدولارات.
فقد أعلنت شوبيفاي تحقيق إيرادات بلغت 11.6 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 30% مقارنة بالعام السابق، وفقا لنتائجها المالية السنوية التي كشفت عنها في فبراير/شباط 2026.
كما ارتفعت القيمة الإجمالية للبضائع التي باعها التجار عبر المنصة إلى 378.4 مليار دولار، بنمو بلغ 29%.
ولا تمثل هذه القيمة إيرادات مباشرة للشركة، وإنما تعكس حجم المعاملات التجارية التي تتم من خلال خدماتها والبنية التقنية التي توفرها للتجار.
وبلغ صافي أرباح شوبيفاي نحو 1.23 مليار دولار خلال العام نفسه، مقارنة بنحو ملياري دولار في عام 2024، متأثرا بعدد من العوامل، من بينها التغيرات في قيمة استثماراتها المالية.
في المقابل، سجلت إير بي إن بي إيرادات بلغت 12.24 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 11.1 مليار دولار في العام السابق، فيما وصلت القيمة الإجمالية للحجوزات عبر المنصة إلى 91.27 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الإنفاق الذي نفذه المستخدمون من خلال خدماتها.
واستمر الأداء الإيجابي للشركتين خلال عام 2026، إذ أعلنت شوبيفاي ارتفاع إيراداتها بنسبة 34% خلال الربع الثاني مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما حققت إير بي إن بي نموا في إيراداتها بنسبة 17% لتصل إلى نحو 3.6 مليارات دولار، فيما بلغ صافي أرباحها الفصلية 816 مليون دولار.
وتوضح هذه الأرقام أن النجاح الاقتصادي للشركتين لم يرتبط ببيع منتج تقليدي أو امتلاك أصول ضخمة، وإنما ببناء منصتين رقميتين تديران معاملات تجارية بمليارات الدولارات، وتحققان عوائد من الخدمات المرتبطة بها.
رحلة النجاح لم تخلُ من الأزمات والتحديات
على الرغم من النمو الكبير الذي حققته الشركتان، فإن مسيرتهما لم تكن خالية من الأزمات، إذ واجهت كل منهما تحديات كشفت نقاط الضعف في نموذج أعمالها، وأجبرتها على اتخاذ قرارات صعبة للحفاظ على استمراريتها.
وكانت جائحة كورونا الاختبار الأصعب بالنسبة إلى إير بي إن بي، بعدما تسببت قيود السفر وإغلاق الحدود في تراجع حاد لحركة السياحة والحجوزات حول العالم.
وانخفضت إيرادات الشركة من نحو 4.8 مليارات دولار عام 2019 إلى 3.4 مليارات دولار عام 2020، بتراجع يقارب 30%، وفقا لتقريرها السنوي المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية.
ودفعت الأزمة إدارة الشركة إلى اتخاذ إجراءات واسعة لخفض التكاليف، شملت الاستغناء عن نحو 25% من الموظفين، وتقليص نفقات التسويق والاستثمارات التي لا ترتبط مباشرة بالأنشطة الأساسية.
ولم تتوقف التحديات عند تداعيات الجائحة، إذ واجهت الشركة ضغوطا تنظيمية متزايدة في عدد من المدن التي تعمل فيها، ومن بينها نيويورك، التي بدأت في سبتمبر/أيلول 2023 تطبيق قواعد جديدة تلزم مقدمي خدمات الإيجار قصير الأجل بالتسجيل لدى السلطات المختصة.
كما منعت القواعد المنصات من معالجة حجوزات أماكن الإقامة غير المسجلة، في إطار مساعي السلطات لتنظيم سوق الإيجارات قصيرة الأجل ومراقبة نشاطها.
أما شوبيفاي، فواجهت تحديا مختلفا بعد الطفرة الكبيرة التي شهدتها التجارة الإلكترونية خلال جائحة كورونا، إذ دفعت زيادة الطلب الشركة إلى توسيع استثماراتها وتوقع استمرار معدلات النمو المرتفعة.
لكن مع انحسار تداعيات الجائحة وعودة المستهلكين إلى التسوق التقليدي، تباطأ نمو التجارة الإلكترونية مقارنة بالتوقعات التي بُنيت عليها خطط التوسع، ما فرض على الشركة إعادة تقييم استراتيجيتها التشغيلية والاستثمارية والتعامل مع واقع اقتصادي مختلف.
ما الدرس الذي تقدمه تجربتا شوبيفاي وإير بي إن بي؟
تكشف تجربة الشركتين أن الأفكار التجارية الكبيرة لا تبدأ بالضرورة من اختراعات معقدة أو استثمارات ضخمة، بل قد تنطلق من مشكلات يومية يواجهها أشخاص يبحثون عن حلول عملية لها.
لكن تحويل المشكلة إلى فرصة اقتصادية يتطلب أكثر من مجرد ابتكار حل مؤقت، إذ ينبغي أن يكون الحل قابلا للاستخدام من جانب الآخرين، وأن يعالج حاجة حقيقية لدى شريحة واسعة من العملاء.
كما تظهر التجربتان أهمية اختيار نموذج أعمال قابل للتوسع، فشوبيفاي لم تكتفِ بحل مشكلة متجرها الإلكتروني، وإنما حولت البرنامج الذي طورته إلى خدمة يستطيع التجار في مختلف أنحاء العالم استخدامها.
وفي المقابل، لم تحاول إير بي إن بي امتلاك العقارات التي يحتاج إليها المسافرون، بل أنشأت منصة تربط بين أصحاب الأماكن المتاحة للإقامة والعملاء الباحثين عنها.
ويضاف إلى ذلك أهمية الاستمرار في تطوير الخدمات، وبناء الثقة مع المستخدمين، والقدرة على التعامل مع الأزمات الاقتصادية والتنظيمية، فضلا عن اختيار مصادر تمويل تساعد المشروع على النمو دون أن تفقده قدرته على الاستمرار.
وبذلك، فإن الدرس الأبرز من تجربتي شوبيفاي وإير بي إن بي هو أن الفكرة البسيطة قد تكون بداية مشروع عالمي، لكن بناء شركة بمليارات الدولارات يحتاج إلى نموذج اقتصادي ناجح، وتنفيذ متقن، وفهم عميق لاحتياجات السوق، وقدرة مستمرة على التكيف مع المتغيرات.





