بلستيا العقاد توثق حكاية غزة من الداخل في كتاب «عيون غزة: يوميات صمود»

بين النزوح والعمل الصحفي، وجدت الصحفية بلستيا العقاد في دفتر يومياتها مساحة لتسجيل ما كانت تعيشه خلال الحرب على غزة. ففي الوقت الذي كانت تتنقل فيه بين أماكن النزوح والملاجئ، تتابع الأحداث وتوثقها بالصوت والصورة، كانت تخصص صفحات دفترها لتفاصيل لا تستطيع الكاميرا التقاطها، مثل أسماء الشوارع ووجوه الناس ومظاهر الحياة اليومية التي خشيت أن تمحوها الحرب.
لم تكن العقاد تخطط لإصدار كتاب، ولم يخطر ببالها أن تتحول تلك الصفحات يوما إلى عمل أدبي يصل إلى القراء حول العالم. فقد اعتادت كتابة يومياتها، لكن الأيام الخمسة والأربعين التي عاشتها في غزة خلال الحرب كانت ثقيلة إلى درجة جعلتها تدرك أن الذاكرة وحدها قد لا تكون كافية للاحتفاظ بكل تفاصيلها.
وبينما كانت طبيعة عملها الصحفي تفرض عليها ملاحقة الأخبار وتغطية الأحداث، منحتها الكتابة مساحة مختلفة للاحتفاظ بما يتجاوز حدود الخبر، من تفاصيل الأيام ومشاعر الناس إلى المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتها عن حياة تتغير تحت وطأة الحرب.
وبعد خروجها من غزة، احتفظت العقاد بدفترها، إلى أن طرحت دار نشر عليها فكرة تحويل تلك اليوميات إلى كتاب.
وتقول العقاد، في حديثها للجزيرة نت، إنها ترددت في البداية، لأن المذكرات كانت تمثل مساحة شخصية شديدة الخصوصية، ولم يكن من السهل عليها تصور تحولها إلى كتاب يقرؤه ملايين الأشخاص. لكنها أعادت النظر في تجربتها، وأدركت أن ما عاشته لم يكن حكاية فردية منفصلة، بل جزءا من تجربة جماعية عاشها آلاف الفلسطينيين في غزة، وما زالوا يواجهون فصولها.
ومن هنا انتقلت اليوميات من إطارها الشخصي إلى مساحة أوسع تطرح سؤالا أساسيا: من يروي حكاية غزة، ومن أي زاوية ينظر العالم إليها؟
غزة بعيون أهلها
لطالما شغلت العقاد فكرة أن أنظار العالم تتجه باستمرار نحو غزة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الصورة التي تصل إلى الخارج تُنقل من وجهة نظر الفلسطينيين وأهل المدينة أنفسهم.
ومن هذا المنطلق اختارت لكتابها عنوان «عيون غزة: يوميات صمود»، الذي كتبته في البداية باللغة الإنجليزية تحت عنوان The Eyes of Gaza: A Diary of Resilience.
وتسعى العقاد من خلال الكتاب إلى تقديم غزة كما رأتها وعاشتها، بعيدا عن الصور النمطية التي تختزل المدينة في مشاهد القصف والدمار. لذلك تستعيد تفاصيل المكان قبل الحرب وبعدها، من المنزل والشوارع إلى الأشخاص وأسماء المواقع التي ترتبط بذكريات خاصة في حياتها.
وتوضح أنها حرصت على تضمين الكتاب تفاصيل كثيرة عن غزة، حتى يشعر القارئ وكأنها تصطحبه في جولة داخل المدينة، وتتيح له التعرف إليها من خلال تجربتها الشخصية.
وتقول إن هدفها كان أن يعرف الناس غزة كما عرفتها هي، لا أن تقتصر معرفتهم بها على مشاهد الدمار والضربات العسكرية.
تفاصيل الحياة خلف مشاهد الحرب
لا تقتصر يوميات العقاد على توثيق الأحداث العسكرية والإنسانية، بل تتعمق في تفاصيل الحياة اليومية التي يواصل الفلسطينيون التمسك بها رغم ظروف الحرب والنزوح.
فهي تتناول كيفية إعداد الطعام داخل الخيام، وتدبير الاحتياجات الأساسية، والحفاظ على العادات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في ظل الظروف القاسية.
وترى أن تسجيل هذه التفاصيل يساعد القراء على فهم ما يحدث في غزة بصورة أعمق، ويمنحهم فرصة لرؤية الإنسان خلف الأرقام والصور والعناوين الإخبارية.
وبذلك لا يقدم الكتاب شهادة على الحرب وحدها، بل يوثق أيضا تجربة الحياة في ظلها، من خلال قصص الناس وتفاصيلهم اليومية، ليمنح القارئ صورة أقرب إلى واقع المدينة كما يعيشه سكانها.
غزة.. المكان الذي يشبهها
ترتبط غزة في وجدان العقاد بمعنى البيت والانتماء، فهي المدينة التي تعرف شوارعها وأهلها، ولا تحتاج فيها إلى شرح هويتها أو إثبات ارتباطها بالمكان.
وتقول إن غزة، رغم أنها أصبحت واحدة من أخطر الأماكن في العالم بسبب الإبادة، كانت بالنسبة إليها المكان الذي شعرت فيه بأكبر قدر من الأمان.
وتكمن المفارقة في أن المدينة التي ينظر إليها العالم باعتبارها منطقة شديدة الخطورة، تمثل لها المكان الذي تشعر فيه بالانتماء الكامل، حيث لا تحتاج إلى تجديد إقامة أو شرح هويتها أو إثبات مدى فلسطينيتها أو حجم المعاناة التي مرت بها.
وتلخص العقاد علاقتها بغزة بالقول: «أنت فلسطيني لأنك فلسطيني، وبيتك وكل من حولك يشبهونك».
لكن مغادرتها المدينة غيرت طبيعة علاقتها بالمكان، إذ أصبحت تتابع ما يجري في وطنها من الخارج، وتعيش تجربة النظر إلى بلدها من مسافة لم تكن موجودة عندما كانت بين شوارعه وأهله.
ولهذا يتناول الكتاب أيضا تجربة ما بعد الخروج من غزة، وما يرافقها من مشاعر وتغيرات، حين يصبح الإنسان مضطرا إلى متابعة تفاصيل وطنه من بعيد بعدما كان يعيشها بصورة مباشرة.
بين الصحافة والكتابة الأدبية
انعكست المسافة بين الداخل والخارج على أسلوب العقاد في الكتابة، فهي صحفية اعتادت التعامل مع الأخبار والتقارير، لكن كتاب «عيون غزة» لا يقدم مجرد سرد صحفي مطول لأحداث الحرب.
فقد وجدت في دفتر يومياتها مساحة مختلفة عن العمل الإخباري، تتيح لها التوقف عند التفاصيل واستعادة الوجوه والأماكن، والتعبير عن مشاعرها بعيدا عن ضغوط التغطية الصحفية وسرعة متابعة الأحداث.
وسمح هذا الأسلوب للجانب الأدبي الذي رافقها منذ البداية بالظهور بوضوح في الكتاب. وتشير العقاد إلى أنها كانت تتخيل أن يكون كتابها الأول مجموعة شعرية، على غرار الأعمال التي تقدمها الشاعرة روبي كور.
ولهذا يجمع الكتاب بين اليوميات والقصائد التي كتبتها عن غزة، في مزيج تتداخل فيه الصحافة مع الأدب، والتجربة اليومية مع التعبير الشعري، والحكاية الشخصية مع المعاناة الجماعية.
وبهذا التحول، لم يعد الدفتر مجرد مساحة خاصة لتسجيل الأحداث، بل أصبح عملا أدبيا يستعيد التجربة الإنسانية بلغتها ومشاعرها وتفاصيلها.
من الإنجليزية إلى العربية ولغات العالم
مع تحول اليوميات إلى كتاب، اتسعت دائرة القراء الذين يمكنهم الاطلاع على تجربة العقاد. فقد صدر العمل أولا باللغة الإنجليزية، ثم تُرجم إلى العربية والإسبانية والصينية والإيطالية والفرنسية ولغات أخرى.
ورغم تعدد الترجمات، تحتفظ اللغة العربية بمكانة خاصة لدى العقاد، لأنها لغتها الأم، ولأنها تريد أن يصل صوتها إلى القراء العرب بلغتهم.
وتقول إن إتاحة الكتاب بالعربية كانت أمرا مهما بالنسبة إليها، حتى يتمكن القراء العرب من التعرف إلى تجربتها والاستماع إلى الحكاية بلغتها الأصلية.
وهكذا عاد الكتاب الذي انطلق باللغة الإنجليزية إلى العربية، بينما أتاحت الترجمات الأخرى نقل تجربة غزة إلى قراء لم يعيشوا تفاصيل المكان كما عاشتها العقاد.
لكنها لا تنظر إلى العمل باعتباره وسيلة لإيصال صوتها وحده، بل تأمل أن يفتح المجال أمام أصوات فلسطينية أخرى لا تزال داخل غزة.
وتعرب عن أملها في أن يتمكن العالم، من خلال كتاب «عيون غزة»، من اكتشاف حجم المواهب والكتّاب الموجودين في فلسطين، والتعرف إلى الطاقات الإبداعية التي لم تتح لها الحرب فرصة الظهور.
ويتحول الكتاب بهذا المعنى إلى نافذة على الكتّاب والفنانين والمبدعين الفلسطينيين، وعلى ثقافة لا تريد العقاد أن تختزلها الحرب في مشاهد الدمار والمعاناة.
ما الذي يبقى من غزة؟
لا تنتهي حكاية «عيون غزة» عند صفحات الكتاب الأخيرة، فاليوميات التي كتبتها بلستيا العقاد لا تمثل مجرد شهادة على فترة من الحرب، بل محاولة للحفاظ على صورة المدينة بكل ما تحمله من تفاصيل إنسانية وثقافية واجتماعية.
إنها تسعى إلى توثيق أسماء الشوارع ووجوه السكان وعاداتهم، واستعادة ملامح الحياة التي كانت قائمة قبل أن تهيمن الحرب على المشهد.
وبينما تتغير الأماكن وتغيب الوجوه، تبقى التفاصيل التي سجلتها العقاد شاهدة على حياة كانت موجودة، وعلى مدينة أرادت أن تحفظ صورتها كما عرفتها، وأن تنقلها إلى العالم من خلال عينيها، بعيدا عن اختزال غزة في الركام والدمار.





