أوزبكستان.. حين تقود رحلة المدن القديمة إلى اكتشاف البيروني ومنهج فهم الآخر

لم تعد أوزبكستان تلك الجغرافيا البعيدة التي نعرف أسماء مدنها وشخصياتها التاريخية من الكتب فقط. فسمرقند وبخارى وخيوة، التي ارتبطت في الذاكرة الحضارية الإسلامية بأسماء مثل الإمام البخاري والإمام الماتريدي وبهاء الدين النقشبند والخوارزمي وأبي الريحان البيروني وأولوغ بيك، أصبحت اليوم تستقبل أعدادا متزايدة من الزوار الراغبين في الاقتراب من الأماكن التي شهدت ازدهار تلك الحضارة.
وتمنح زيارة هذه المدن فرصة مختلفة للنظر إلى التاريخ، إذ لا تقتصر التجربة على مشاهدة المدارس والأضرحة والعمارة القديمة، وإنما تفتح المجال للتأمل في الأفكار التي تشكلت في هذه المنطقة، وفي الطريقة التي أسهم بها علماؤها في بناء المعرفة الإنسانية.
ومن بين تلك الشخصيات يبرز أبو الريحان البيروني، الذي تتيح سيرته وأعماله إعادة التفكير في تاريخ دراسة المجتمعات والثقافات، بعيدا عن حصر هذا التاريخ في الأسماء والمدارس التي ظهرت لاحقا في أوروبا.
البيروني.. عالم يتجاوز حدود التخصصات
ولد البيروني عام 973 في مدينة كاث، مركز خوارزم التاريخية، وهي منطقة ترتبط جغرافيا بأوزبكستان الحالية، وإن كانت الحدود السياسية الحديثة لا تنطبق على خريطة العالم في عصره.
واشتهر البيروني بوصفه عالما في الرياضيات والفلك والجغرافيا، لكن أعماله تكشف اهتماما واسعا بالإنسان والثقافات وأنماط التفكير المختلفة.
ومن أبرز كتبه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، وهو عمل لا يمكن اختزاله في كونه مصدرا للمعلومات عن الهند، بل يمثل محاولة عميقة لفهم مجتمع مختلف من داخله.
ولم يعتمد البيروني على الأحكام المسبقة في دراسته، بل تعلم اللغة السنسكريتية، وتواصل مع علماء الهند، واطلع على نصوصهم، في محاولة للوصول إلى أفكارهم ومعتقداتهم من مصادرها الأصلية.
فهم الآخر قبل الحكم عليه
تكمن أهمية تجربة البيروني في أنه أدرك أن دراسة مجتمع آخر لا يمكن أن تقوم فقط على وصف ما يراه الباحث من الخارج.
فاللغة، بالنسبة إليه، لم تكن مجرد وسيلة للتواصل، وإنما مدخل إلى فهم منظومة فكرية وثقافية كاملة. وقد يحمل مفهوم يصعب نقله إلى لغة أخرى معنى واسعا يرتبط بطريقة المجتمع في النظر إلى الحياة والعالم.
ومن هنا، حاول البيروني أن يفهم المعتقدات والممارسات الهندية وفق المعاني التي يمنحها أصحابها لها، دون أن يعني ذلك تخليه عن منظومته الدينية والفكرية الخاصة.
وهذا يبرز فرقا مهما بين الفهم والموافقة؛ فمحاولة فهم معتقدات الآخرين لا تعني بالضرورة قبولها، لكنها تساعد على تقديم قراءة أكثر دقة لها، وتجنب اختزالها في أحكام جاهزة.
صلة لافتة بعلم الاجتماع الفهمي
تكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية عند مقارنتها بما ظهر بعد قرون في أعمال عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، ولا سيما مفهوم “علم الاجتماع الفهمي”.
ويركز هذا الاتجاه على ضرورة فهم المعنى الذي يمنحه الإنسان لأفعاله قبل تفسير سلوكه من خلال القواعد والنظريات العامة. فالفعل الذي يبدو واضحا من الخارج قد يحمل بالنسبة إلى صاحبه معنى مختلفا تماما.
وينطبق ذلك على الممارسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية؛ إذ لا يكفي وصف شخص بأنه يؤدي طقسا أو يشارك في تقليد أو يمارس نشاطا اقتصاديا، بل ينبغي أيضا محاولة فهم الدوافع والمعاني التي تجعل هذا السلوك مفهوما بالنسبة إليه.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى منهج البيروني باعتباره سابقا، من حيث الممارسة الفكرية، لبعض الأسئلة التي أصبحت لاحقا مركزية في دراسة المجتمعات والثقافات، مع ضرورة تجنب إسقاط المفاهيم الحديثة بصورة حرفية على شخصية عاشت قبل ظهور علم الاجتماع بصورته المعاصرة.
تاريخ الفكر الاجتماعي أوسع من السردية الغربية
غالبا ما يستحضر اسم ابن خلدون عند الحديث عن جذور التفكير الاجتماعي خارج السياق الغربي، لما قدمه من أفكار حول العمران والمجتمع والدولة.
لكن توسيع دائرة البحث لتشمل البيروني، الذي عاش قبل ابن خلدون بنحو ثلاثة قرون، يكشف عن تراث فكري أكثر اتساعا وتنوعا مما توحي به السرديات التي تربط نشأة التفكير الاجتماعي أساسا بالتطورات الأوروبية الحديثة.
ولا يعني ذلك وضع البيروني في تصنيف معاصر مثل عالم الاجتماع أو عالم الأنثروبولوجيا، لأن هذه التخصصات لم تكن موجودة بصورتها الحالية في عصره. لكن أعماله تظهر أن التساؤل حول اختلاف المجتمعات والمعتقدات وأنماط الحياة كان حاضرا في الفكر الإنساني قبل نشوء هذه العلوم الأكاديمية بزمن طويل.
العلم الطبيعي ودراسة الإنسان
من الجوانب اللافتة في تجربة البيروني أيضا عدم وجود الحدود الصارمة بين مجالات المعرفة التي نعرفها اليوم.
ففي أعماله تلتقي الفلك والجغرافيا والحساب ودراسة التقاويم مع البحث في المعتقدات والأعياد والعادات الاجتماعية. وهذا الترابط يكشف أن دراسة الإنسان والكون لم تكن بالضرورة مجالين منفصلين.
فعندما يدرس الباحث كيفية حساب مجتمع ما للزمن، فإنه لا يتعامل فقط مع مسألة رياضية أو فلكية، بل قد يقترب أيضا من الطريقة التي ينظم بها ذلك المجتمع أعياده ومناسباته وحياته اليومية.
وبذلك يصبح قياس حركة الأجرام السماوية مرتبطا أيضا بفهم كيفية استخدام البشر للزمن وإضفاء المعاني عليه.
مجتمع واحد لا يعني فكرا واحدا
تكشف كتابات البيروني كذلك عن اهتمامه بالاختلافات الموجودة داخل المجتمع نفسه، وعدم التعامل مع الثقافة أو الدين باعتبارهما كتلة واحدة متجانسة.
فآراء العلماء قد تختلف عن ممارسات عامة الناس، وما يرد في كتب الفلاسفة لا يمثل بالضرورة حياة جميع أفراد المجتمع، كما أن طقسا اجتماعيا واحدا لا يمكن أن يكون دليلا كافيا لفهم منظومة ثقافية كاملة.
وهذه الملاحظة تظل مهمة في الدراسات الثقافية والاجتماعية الحديثة، لأنها تحذر من بناء صورة عامة عن مجتمع بأكمله استنادا إلى تجربة محدودة أو مصدر واحد.
من سياق الفتوحات إلى التعرف على الآخر
جاء اهتمام البيروني بالهند في سياق سياسي وعسكري ارتبط بعصر محمود الغزنوي، وهي حقيقة تضيف بعدا آخر إلى تجربته.
فالاحتكاك السياسي والعسكري بين المجتمعات لا يؤدي تلقائيا إلى فهم متبادل بينها. وقد تكون هناك مسافة كبيرة بين السيطرة على أرض والتعرف الحقيقي إلى أفكار سكانها وثقافتهم.
وفي حالة البيروني، كان تعلم السنسكريتية والتواصل مع علماء الهند محاولة لعبور هذه المسافة، من خلال التعامل مع الآخر بوصفه مصدرا للمعرفة، وليس مجرد موضوع للملاحظة من الخارج.
رحلة أوزبكستان بوابة إلى تاريخ فكري أوسع
لهذا تبدو زيارة سمرقند وبخارى وخيوة أكثر من رحلة إلى مدن تاريخية ذات عمارة استثنائية. فهذه الأماكن تفتح نافذة على عالم فكري أسهم في تشكيل المعرفة الإنسانية عبر قرون.
وتستعيد أسماء البخاري والماتريدي والخوارزمي والبيروني وابن سينا وغيرها من الأسماء سؤالا أوسع حول الطريقة التي نكتب بها تاريخ العلم والفكر، وحول الشخصيات التي تستحق أن تحضر في السردية العالمية للمعرفة.
ومن بين هذه الشخصيات يظل البيروني نموذجا لافتاً؛ ليس فقط بسبب إنجازاته في العلوم الطبيعية، وإنما بسبب محاولته فهم عالم مختلف بلغته ومصادره ومنظومته الخاصة، وهي مسألة لا تزال تحتفظ بأهميتها في عالم تتقاطع فيه الثقافات والمجتمعات بصورة متزايدة.





