اقتصاد

الصين تتحرك لحماية أمن الطاقة مع تصاعد مخاطر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز

كشفت الحكومة الصينية عن إستراتيجية جديدة للطاقة تمتد حتى عام 2030، في خطوة تستهدف تعزيز أمن الإمدادات وتقليل تداعيات الاضطرابات المحتملة في سوق الطاقة العالمية، خصوصا مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.

وتأتي الخطة في وقت تواجه فيه بكين تحديا مزدوجا يتمثل في تأمين احتياجاتها المتزايدة من النفط والغاز، بالتوازي مع تسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.

وتعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط الخام في العالم، الأمر الذي يجعل استقرار خطوط الإمداد الخارجية مسألة ترتبط بصورة مباشرة بأمنها الاقتصادي والصناعي.

مساران لمواجهة أزمة الطاقة

قالت الخبيرة الاقتصادية ومديرة شؤون الصين في مجموعة “أوراسيا” دان وانغ، في حديث للجزيرة، إن بكين تتعامل مع أمن الطاقة من خلال مسارين متوازيين.

ويركز المسار الأول على المدى القريب، إذ تراقب الصين التطورات الدبلوماسية المرتقبة مع الولايات المتحدة، مع توقعات بعدم فرض عقوبات أمريكية واسعة على تعاملاتها النفطية في المرحلة الحالية.

أما المسار الثاني فيرتبط بالمدى الطويل، حيث تسعى بكين إلى تعزيز احتياطاتها الوطنية من الطاقة وتقليل تعرضها للضغوط الخارجية.

ويشكل الفحم حاليا نحو 53% من مزيج الطاقة الصيني، ورغم محاولات الحكومة خفض هذه النسبة، فإن التحول السريع بعيدا عن الوقود الأحفوري يواجه تحديات كبيرة، خصوصا في ظل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية التي تهدد إمدادات الطاقة.

نفط الشرق الأوسط عنصر أساسي

لا تقتصر أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين على حجم صادراته النفطية، بل تمتد إلى طبيعة الخام الذي تعتمد عليه المصافي الصينية.

وأوضحت وانغ أن كثيرا من المصافي الصينية صُممت هندسيا للتعامل بصورة رئيسية مع خامات الخليج العربي، ما يجعل استقرار الإمدادات القادمة من المنطقة جزءا أساسيا من استراتيجية أمن الطاقة الصينية.

وتختلف هذه الخامات في خصائصها عن النفط الأمريكي، الذي يتميز عموما بانخفاض محتواه من الكبريت وسهولة معالجته لإنتاج البنزين ووقود الطائرات.

في المقابل، تتميز بعض خامات الشرق الأوسط بخصائص تتناسب بصورة أكبر مع إنتاج الديزل والمواد الأولية اللازمة للصناعات البتروكيماوية، وهي قطاعات ذات أهمية كبيرة للاقتصاد والصناعة في الصين.

ولهذا السبب، فإن استبدال النفط القادم من الخليج بمصادر أخرى لا يمثل عملية سهلة بالنسبة للمصافي الصينية، حتى لو تمكنت بكين من زيادة مشترياتها من مناطق أخرى.

بدائل محدودة أمام بكين

وتدرك الصين أن اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز يمكن أن يدفعها إلى البحث عن بدائل، مثل زيادة الواردات من غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية أو الاستفادة من عمليات إعادة التصدير عبر دول آسيوية مثل سنغافورة وماليزيا.

لكن هذه الخيارات لا توفر بالضرورة بديلا كاملا عن نفط الشرق الأوسط، سواء من حيث جودة الخام أو مدى ملاءمته للمصافي الصينية أو كلفة نقله.

ولهذا تركز بكين على معالجة المشكلة من جذورها، من خلال تقليل اعتماد الاقتصاد على النفط والوقود التقليدي، بالتزامن مع بناء قدرات أكبر لتخزين الطاقة وتنويع مصادر الإمداد.

الطاقة النظيفة في قلب الخطة

وتتضمن الإستراتيجية الصينية تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تطوير شبكات كهرباء أكثر ذكاء وتوسيع الاعتماد على الطاقة النووية.

وتراهن بكين على أن التوسع في مصادر الطاقة البديلة سيساعدها على تقليل استهلاك الديزل والوقود التقليدي، وبالتالي الحد من تأثر اقتصادها بأي اضطرابات في أسواق النفط العالمية.

كما تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي لتأمين سلاسل التوريد المرتبطة بمكونات وتقنيات الطاقة المتجددة، بما يسمح لها بتقليل اعتمادها على مسارات محددة لاستيراد الطاقة.

أهداف كمية حتى 2030

وتتضمن الخطة الصينية مجموعة من الأهداف الرامية إلى رفع مستوى أمن الطاقة وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

وتستهدف بكين زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز إلى نحو 440 مليون طن سنويا بحلول عام 2030، مقابل قرابة 420 مليون طن في الفترة السابقة.

كما تخطط لإضافة نحو 20 ألف كيلومتر إلى شبكة أنابيب النفط والغاز الوطنية، بهدف تحسين قدرات نقل الطاقة وتوزيعها بين المناطق المختلفة.

وتتضمن الإستراتيجية كذلك رفع القدرة السنوية لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى 200 مليون طن، إلى جانب زيادة سعة تخزين الغاز الطبيعي لتتجاوز 13% من إجمالي الاستهلاك المحلي.

كما تستهدف الصين رفع قدرتها على استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب البرية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنويا.

احتياطي نفطي ضخم

وتعكس هذه الأهداف حجم الأهمية التي توليها بكين لتأمين احتياجاتها من الطاقة، خصوصا في ظل المخاطر التي يمكن أن تنتج عن الأزمات الجيوسياسية وتعطل طرق التجارة الدولية.

وتملك الصين حاليا مخزونا نفطيا إستراتيجيا يقدر بنحو 1.3 مليار برميل، ما يمنحها هامشا للمناورة في مواجهة الاضطرابات قصيرة الأجل.

لكن حجم الاحتياطي وحده لا يحل المشكلة، إذ إن استمرار اضطراب خطوط الإمداد لفترة طويلة سيضع بكين أمام ضرورة الاعتماد على مصادر بديلة وإعادة ترتيب أولويات الاستهلاك.

ومن هنا تبدو استراتيجية الطاقة الصينية حتى عام 2030 أقرب إلى خطة شاملة لإعادة تشكيل منظومة أمن الطاقة، تجمع بين زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع التخزين والبنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة.

وفي ظل استمرار المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، تسعى الصين إلى تقليل تعرض اقتصادها لأي صدمة نفطية مستقبلية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على علاقاتها بمصادر الطاقة التقليدية التي لا يزال الاقتصاد الصيني يعتمد عليها بدرجة كبيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى