دوغ فورد.. كيف تحول رئيس أونتاريو إلى رأس حربة كندا في مواجهة ترمب؟

في ظل تصاعد التوتر التجاري بين كندا والولايات المتحدة، برز رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، دوغ فورد، باعتباره أحد أكثر المسؤولين الكنديين صداما مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متخذا من التصريحات الحادة والتهديد بإجراءات مضادة وسيلة للرد على الضغوط الاقتصادية التي تمارسها واشنطن.
وبينما يحاول رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الحفاظ على مساحة واسعة للمفاوضات والرد الدبلوماسي، اختار فورد لهجة مختلفة تماما، إذ لم يتردد في توجيه انتقادات مباشرة إلى ترمب، ووصفه بعبارات قاسية، محملا إياه مسؤولية الإضرار بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وتزامن هذا التصعيد مع انهيار المحادثات التجارية بين واشنطن وأوتاوا، وفرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة بنسبة 50% على صادرات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، الأمر الذي دفع الحكومة الكندية إلى الإعلان عن إجراءات انتقامية تستهدف أكثر من 700 منتج أميركي بالقيمة نفسها تقريبا.
من هو دوغ فورد؟
يبلغ دوغ فورد 61 عاما، ويتولى رئاسة حكومة أونتاريو منذ عام 2018، وهي المقاطعة الأكبر في كندا من حيث عدد السكان، كما أنها تمثل مركزا رئيسيا للصناعة والتجارة والسيارات في البلاد.
وخلال السنوات الماضية، تمكن فورد من الحفاظ على موقعه السياسي، وفاز حزبه المحافظ التقدمي بأغلبية تشريعية للمرة الثالثة على التوالي بعد الانتخابات المبكرة التي دعا إليها مطلع عام 2025.
واستفاد فورد خلال حملته الانتخابية من حالة الغضب المتزايدة داخل أونتاريو تجاه السياسة التجارية لإدارة ترمب، خصوصا مع تهديدات الرئيس الأميركي المتكررة بشأن كندا واحتمال ضمها كولاية أميركية.
وحاول فورد خلال حملته تقديم نفسه باعتباره مدافعا عن المصالح الكندية، وظهر مرتديا قبعة تحمل عبارة “كندا ليست للبيع”، كما أطلق على نفسه لقب “كابتن كندا”، في محاولة لتعزيز صورته كصوت للمقاطعة والبلاد في مواجهة الضغوط الأميركية.
لماذا يمتلك فورد نفوذا كبيرا؟
لا تستند أهمية فورد في المواجهة مع واشنطن إلى تصريحاته السياسية فقط، بل إلى موقع أونتاريو الاقتصادي.
فالمقاطعة تعد القلب الصناعي لكندا، وتضم قطاعات واسعة من صناعة السيارات وقطع الغيار والتصنيع، كما ترتبط اقتصاديا بشكل وثيق بالسوق الأميركية.
ويمنح ذلك فورد مساحة واسعة للمناورة، إذ يستطيع التحدث باسم منطقة تعتمد عليها سلاسل الإمداد في البلدين، وفي الوقت نفسه تمتلك أونتاريو بعض الأدوات التي يمكن استخدامها للضغط على الولايات المتحدة إذا تصاعدت الحرب التجارية.
ومن أبرز هذه الأوراق الطاقة والمعادن الحيوية، وهما قطاعان يرتبطان بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي والصناعي الأميركي.
من الدبلوماسية إلى المواجهة المباشرة
في الوقت الذي يحاول فيه مارك كارني إدارة الخلاف مع واشنطن عبر القنوات السياسية والتفاوضية، اختار فورد نهجا أكثر حدة.
ووصلت لهجته إلى استخدام عبارات هجومية ضد ترمب، إذ وصفه بأنه “متنمر” و”ملك الإفلاسات”، كما أكد أنه لا يرى نفسه مضطرا للاستجابة لضغوط الرئيس الأميركي.
وفي إحدى تصريحاته، عبر فورد عن غضبه الشديد من تهديدات ترمب التجارية، وقال إن مستوى غضبه يصل إلى 110 من أصل 100، في إشارة إلى حجم التوتر الذي يسيطر على العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
كما انتقد فورد سياسات ترمب عبر استحضار اسم الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، معتبرا أن النهج الحالي تجاه كندا يتناقض مع طبيعة العلاقات التي سادت بين البلدين في مراحل سابقة.
التهديد باستخدام الطاقة والمعادن
لم يكتف رئيس حكومة أونتاريو بالتصريحات السياسية، بل لوّح باستخدام الأوراق الاقتصادية المتاحة للمقاطعة.
وهدد فورد بوقف إمدادات المعادن الحيوية التي تحتاجها الولايات المتحدة، مؤكدا أن أونتاريو لن تسمح باستمرار الضغوط الأميركية من دون رد.
كما أشار إلى أن المقاطعة تزود نحو 1.5 مليون منزل وشركة في الولايات المتحدة بالطاقة، محذرا من أن استمرار واشنطن في الضغط على الصناعة الكندية قد يدفع أونتاريو إلى استخدام هذه الورقة.
وتكشف هذه التصريحات عن طبيعة الصراع الجديد بين الجانبين، الذي لم يعد يقتصر على الرسوم الجمركية، بل بات يمتد إلى الطاقة والمعادن وسلاسل التوريد والصناعات الاستراتيجية.
لماذا تحولت أونتاريو إلى ساحة رئيسية للصراع؟
تعد صناعة السيارات من أكثر القطاعات حساسية في العلاقات الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة، إذ تعتمد المصانع في البلدين على شبكة متداخلة من الموردين والمصانع وقطع الغيار التي تعبر الحدود بصورة مستمرة.
وأي رسوم مرتفعة على السيارات أو مكوناتها يمكن أن ترفع تكاليف الإنتاج في البلدين معا، وهو ما يجعل التصعيد التجاري سلاحا ذا حدين.
وتدرك حكومة أونتاريو أن فرض رسوم أميركية واسعة على المنتجات الكندية لن يضر المنتجين الكنديين وحدهم، بل يمكن أن ينعكس أيضا على الشركات والمستهلكين الأميركيين المرتبطين بالمنتجات وسلاسل الإمداد القادمة من كندا.
ولهذا يحاول فورد استثمار الثقل الاقتصادي للمقاطعة في الضغط على واشنطن، من خلال التأكيد على أن أونتاريو ليست مجرد طرف متلق للقرارات الأميركية، وإنما تمتلك أوراقا يمكن استخدامها في حال استمرار التصعيد.
فورد في مواجهة ترمب.. سياسة أم استعراض؟
يرى مؤيدو فورد أن لهجته الصارمة تعكس موقفا سياسيا ضروريا في مواجهة الضغوط الأميركية، خصوصا أن أونتاريو تتحمل جزءا كبيرا من آثار الرسوم على الصناعة والتجارة.
كما أن الخطاب القوي يمكن أن يساعد فورد في حشد الدعم الشعبي، خاصة في ظل الحساسية المتزايدة تجاه تصريحات ترمب بشأن كندا.
لكن في المقابل، فإن التصعيد اللفظي يحمل مخاطر، لأن العلاقات الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة شديدة التشابك، وأي مواجهة طويلة قد تؤدي إلى خسائر للشركات والعمال والمستهلكين على جانبي الحدود.
ومن هنا يبدو أن فورد يؤدي دور “المفاوض الصدامي” داخل المنظومة الكندية، بينما يحافظ كارني على دور المفاوض الذي يسعى إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
ورقة شعبية وسياسية قوية
لا يمكن فصل موقف فورد عن الحسابات السياسية الداخلية في أونتاريو.
فقد نجح رئيس حكومة المقاطعة في تقديم نفسه خلال السنوات الأخيرة باعتباره سياسيا قريبا من المواطنين، واستفاد من صورته الشعبوية ومن قدرته على استخدام لغة مباشرة بعيدة عن المصطلحات الدبلوماسية التقليدية.
وتمنحه هذه الصورة قدرة على تحويل الخلاف التجاري مع الولايات المتحدة إلى قضية سياسية داخلية، خصوصا عندما يشعر الكنديون بأن بلادهم تتعرض لضغوط من جارتها الجنوبية.
ولهذا فإن مواجهة ترمب توفر لفورد فرصة لتعزيز صورته كمدافع عن المصالح الكندية، وليس فقط كرئيس لحكومة إقليمية.
ماذا يملك فورد في مواجهة واشنطن؟
يمكن تلخيص أبرز أوراق القوة التي يعتمد عليها فورد في عدة نقاط:
- الثقل الاقتصادي لأونتاريو باعتبارها أكبر مقاطعات كندا سكانا ومركزا رئيسيا للصناعة.
- قطاع السيارات الذي يمثل حلقة أساسية في سلاسل الإنتاج بين كندا والولايات المتحدة.
- إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها مناطق وشركات أميركية.
- المعادن الحيوية التي تحتاجها قطاعات صناعية وتقنية أميركية.
- الترابط التجاري بين البلدين، والذي يجعل فرض القيود التجارية مؤلما للطرفين.
- الدعم الشعبي الذي يمكن أن يحصل عليه فورد من خلال اتخاذ موقف متشدد تجاه واشنطن.
هل تستطيع كندا تحمل حرب تجارية طويلة؟
رغم امتلاك كندا أوراق ضغط مهمة، فإن استمرار المواجهة التجارية لفترة طويلة سيكون اختبارا صعبا للاقتصاد الكندي.
فالولايات المتحدة تمثل الشريك التجاري الأهم لكندا، كما أن قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي تعتمد على السوق الأميركية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.
وفي المقابل، فإن الشركات الأميركية نفسها تعتمد على المنتجات والطاقة والمعادن القادمة من كندا، ما يجعل أي حرب تجارية شاملة مكلفة للطرفين.
ولهذا فإن التصعيد الحالي قد يكون جزءا من محاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، بدلا من أن يكون مقدمة مؤكدة لحرب تجارية مفتوحة بلا سقف زمني.
فورد وكارني.. وجهان لاستراتيجية واحدة
ورغم اختلاف أسلوب الرجلين، لا يعني ذلك بالضرورة وجود خلاف جوهري بين فورد وكارني بشأن الدفاع عن المصالح الكندية.
فكارني يعتمد على التفاوض والاتصالات الحكومية، بينما يستخدم فورد لهجة أكثر صداما ويستعرض الأوراق الاقتصادية التي يمكن أن تستخدمها أونتاريو للرد على واشنطن.
وقد يكون الجمع بين المسارين مفيدا لكندا، إذ يوفر للحكومة المركزية مساحة للتفاوض، في حين يضغط فورد من الجهة الأخرى عبر التهديد بإجراءات يمكن أن تزيد تكلفة التصعيد على الولايات المتحدة.
وبذلك أصبح دوغ فورد أحد أبرز الأصوات الكندية في مواجهة ترمب، مستندا إلى القوة الاقتصادية الهائلة التي تتمتع بها أونتاريو، وإلى خطاب سياسي شعبوي يجعله أكثر استعدادا للمواجهة العلنية من الحكومة الفدرالية.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد في النهاية على قدرة كندا على تحويل التهديدات والتصريحات إلى أوراق تفاوضية حقيقية، من دون أن تتحول الحرب التجارية إلى أزمة اقتصادية طويلة تضر الطرفين.





