بعد 6 أشهر من الحرب.. إيران تواجه خسائر ضخمة وترمب أمام حرب استنزاف مفتوحة

بعد مرور ستة أشهر على بدء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، تبدو تداعيات الحرب أكثر تعقيدا مما كانت تتوقعه واشنطن وتل أبيب، في ظل استمرار القدرات العسكرية الإيرانية وتفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية، إلى جانب التأثيرات التي امتدت إلى أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد راهن على أن الحملة العسكرية ستكون قصيرة وقادرة على تحقيق أهداف رئيسية، من بينها إضعاف النظام الإيراني وتدمير برنامجيه النووي والصاروخي. غير أن استمرار المواجهة طوال نصف عام أظهر أن تحقيق هذه الأهداف لا يزال بعيدا عن الحسم.
وفي المقابل، تمكنت الضربات الأميركية والإسرائيلية من إلحاق أضرار كبيرة بإيران واستهداف عدد من كبار مسؤوليها العسكريين والسياسيين، لكنها لم تؤد حتى الآن إلى إسقاط النظام أو القضاء بصورة نهائية على قدراته العسكرية والنووية.
خسائر بشرية كبيرة في إيران
تكبدت إيران الجزء الأكبر من الخسائر البشرية المباشرة خلال الأشهر الستة الماضية، في أعقاب موجات متواصلة من الغارات التي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية وبنى تحتية ومناطق صناعية، فضلا عن مبان ومواقع مدنية.
وبحسب تقديرات مؤسسة الشهداء الإيرانية الحكومية، تجاوز عدد القتلى داخل البلاد 3468 شخصا، بينما تخطى عدد المصابين 26 ألفا، في حصيلة تعكس حجم العمليات العسكرية التي شهدتها الأراضي الإيرانية منذ اندلاع الحرب.
كما أدت الضربات إلى مقتل عدد من كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية، في مقدمتهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، إضافة إلى مسؤولين بارزين في أجهزة الأمن والقيادة السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، لم تؤد هذه الضربات إلى انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية، التي واصلت العمل وإدارة العمليات العسكرية والسياسية رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقيادة.
أضرار تقدر بمئات المليارات
لم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية، إذ تكبد الاقتصاد الإيراني أضرارا واسعة نتيجة تدمير منشآت عسكرية وصناعية وبنى تحتية وتعطل قطاعات اقتصادية مختلفة.
ويقدر مسؤولون إيرانيون قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن العمليات العسكرية بنحو 270 مليار دولار، وهي تكلفة ضخمة بالنسبة إلى اقتصاد يعاني أصلا من العقوبات الأميركية والقيود المفروضة على صادراته النفطية.
وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، نفذت الولايات المتحدة ضربات على أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران قبل التوصل إلى هدنة مؤقتة في الثامن من أبريل/نيسان الماضي.
وأعلنت واشنطن أنها تمكنت من تدمير أجزاء كبيرة من القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما الأسطول البحري، بينما أكد ترمب في تصريحات سابقة أن القوات المسلحة الإيرانية تعرضت لدمار واسع ولم يعد لديها سوى عدد محدود من الصواريخ.
لكن تقديرات أخرى تشير إلى صعوبة تحديد حجم القدرات الإيرانية المتبقية، خصوصا مع اعتماد طهران على منشآت ومنشآت تخزين تحت الأرض، فضلا عن احتمال نقلها جزءا من معداتها وذخائرها إلى مواقع أخرى خلال فترات التهدئة.
مضيق هرمز يتحول إلى ورقة ضغط
أصبح مضيق هرمز أحد أبرز ساحات التداعيات غير المباشرة للحرب، في ظل استمرار القيود على حركة السفن التجارية وارتفاع المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية.
ورغم الضربات التي تعرضت لها القدرات البحرية الإيرانية، لم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من القضاء بصورة كاملة على الزوارق السريعة التي تستخدمها طهران في عملياتها البحرية، إضافة إلى استمرار اعتماد إيران على الطائرات المسيرة والصواريخ في تهديد السفن التي تخالف تعليماتها.
وأدى اضطراب حركة الملاحة في المضيق إلى زيادة المخاوف بشأن مستقبل إمدادات الطاقة العالمية، خصوصا أن المضيق يمثل ممرا حيويا لنقل كميات كبيرة من النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية.
كما ساهمت المخاطر المرتبطة بالملاحة في دفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، ما جعل الحرب تتجاوز حدودها الجغرافية لتؤثر في الاقتصادات والأسواق العالمية.
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط متزايد
دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة أكثر صعوبة نتيجة تداخل آثار الحرب مع العقوبات الأميركية وتراجع صادرات النفط.
وارتفعت أسعار المستهلكين في إيران بأكثر من 80% مقارنة بالعام السابق، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال العام الجاري.
وتظهر أزمة قطاع النفط بوضوح في حجم الصادرات، إذ تراجعت شحنات النفط الخام والمكثفات الإيرانية إلى نحو 280 ألف برميل يوميا خلال مايو/أيار، مقارنة بأكثر من 2.2 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط الماضي.
ويمثل هذا الانخفاض ضربة قوية لمصدر رئيسي من مصادر الإيرادات الإيرانية، في وقت تواجه فيه الحكومة ارتفاعا في تكاليف الحرب وتراجعا في النشاط الاقتصادي وضغوطا متزايدة على العملة والأسواق المحلية.
واشنطن تصعد الضغط الاقتصادي
لم تكتف الإدارة الأميركية بالعمليات العسكرية، بل اتجهت إلى توسيع الضغط الاقتصادي على إيران وشركائها التجاريين.
وهدد ترمب بفرض عقوبات قاسية على الدول التي تواصل دعم طهران أو التعامل معها، في محاولة لتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني ومنعها من الوصول إلى مصادر التمويل والتجارة الخارجية.
وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تستهدف إضعاف قدرة إيران على تمويل عملياتها العسكرية وإجبارها على تقديم تنازلات في الملفات النووية والصاروخية.
في المقابل، اعتبرت طهران التصعيد الاقتصادي امتدادا للحرب العسكرية، وحذرت من أن فرض مزيد من الضغوط لن يؤدي إلى إخضاعها، بل قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الضغوط الأميركية الإضافية ستفشل، معتبرا أن واشنطن تستخدم التصعيد ضد إيران للتغطية على مشكلاتها الاقتصادية الداخلية.
هل حققت الحرب أهدافها؟
بعد ستة أشهر من القتال، تبدو الإجابة أكثر تعقيدا من مجرد احتساب حجم الأهداف التي دمرت أو عدد القادة الذين قتلوا.
فمن الناحية العسكرية، تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من توجيه ضربات شديدة إلى إيران وإلحاق أضرار كبيرة بمنشآت وقدرات عسكرية مهمة، فضلا عن استهداف قيادات بارزة.
لكن من الناحية السياسية والاستراتيجية، لم يتحقق الهدف الأكثر طموحا المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، كما لم يتم القضاء بصورة نهائية على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية.
وتزيد الطبيعة الجغرافية لإيران واعتمادها على المنشآت المحصنة تحت الأرض من صعوبة تحقيق حسم عسكري كامل، في حين تمنح طهران مجموعة من الأدوات للرد، من بينها الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية وشبكات النفوذ الإقليمي.
حرب استنزاف مفتوحة
ومع دخول الحرب شهرها السابع، يواجه ترمب معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية الانتقال من التفوق العسكري إلى تحقيق نتيجة سياسية دائمة.
فاستمرار العمليات العسكرية يعني زيادة التكلفة الاقتصادية والبشرية، فضلا عن المخاطر المرتبطة بأسواق الطاقة والملاحة الدولية. أما التوصل إلى تسوية سياسية، فيتطلب صيغة تضمن تحقيق أهداف واشنطن دون منح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها.
وفي المقابل، تواجه طهران تحديات هائلة نتيجة الخسائر البشرية والدمار الواسع والعقوبات وانخفاض صادرات النفط وارتفاع الأسعار، لكنها لا تزال قادرة على مواصلة المقاومة والحفاظ على مؤسسات الدولة وقدرات عسكرية لم تتمكن الضربات من القضاء عليها بالكامل.
وبذلك، تحولت الحرب التي كان يُنظر إليها في بدايتها باعتبارها مواجهة قصيرة إلى صراع طويل الأمد، أصبحت تداعياته تمتد من الداخل الإيراني إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، بينما لا يزال مستقبل المواجهة مرتبطا بقدرة الطرفين على تحمل تكاليف الاستنزاف والتوصل في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية توقف القتال.





