“مدينة الأقمار الصناعية”.. الصين تطلق معركة السيطرة على إنترنت الفضاء

في ظل تصاعد التنافس الإستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، تخوض بكين معركة جديدة في الفضاء عبر مشروعها العملاق المعروف باسم “ألف شراع” أو “جي 60 ستارلينك” (G60 Starlink)، في محاولة لإنهاء الهيمنة الأمريكية على الإنترنت الفضائي ومدارات الأرض المنخفضة.
ويقوم المشروع على إنشاء شبكة ضخمة من الأقمار الصناعية ضمن ما تصفه الصين بـ”مدينة الأقمار الصناعية”، وهي منظومة صناعية وتقنية متكاملة تهدف إلى تصنيع وإطلاق آلاف الأقمار بوتيرة متسارعة لتوفير تغطية إنترنت عالمية مستقلة.
سباق فضائي بوتيرة غير مسبوقة
ووفقا لبيانات مركز هاينان للإطلاق التجاري، نجحت الصين مؤخرا في إطلاق الدفعة السابعة من أقمار “ألف شراع”، ضمن خطة تستهدف نشر 648 قمرا صناعيا بحلول نهاية 2026، ثم رفع العدد إلى 15 ألف قمر بحلول عام 2030.
ورغم أن العدد لا يزال أقل من مشروع “ستارلينك” التابع لشركة SpaceX، فإن التقارير التقنية تشير إلى أن بكين تراهن على سرعة التنفيذ والتوسع الصناعي المكثف لتعويض الفارق.
مصنع فضائي يعمل بلا توقف
تكمن القوة الحقيقية للمشروع في البنية الصناعية الهائلة التي تبنيها الصين، حيث يجري تطوير مجمع صناعي ضخم في شنغهاي مخصص بالكامل لصناعة الأقمار الصناعية التجارية، مع خطوط إنتاج شبه أوتوماتيكية قادرة على تصنيع الأقمار بوتيرة تشبه إنتاج الهواتف الذكية.
وتقود شركة Spacesail عمليات التصنيع والتشغيل، ضمن ممر صناعي يعرف باسم “جي 60” يربط عدة مدن ومراكز تقنية كبرى داخل الصين.
الإنترنت ليس الهدف الوحيد
ولا يقتصر المشروع على توفير خدمات الإنترنت، بل يحمل أبعادا جيوسياسية وتقنية أوسع، إذ تعمل الصين على:
- تطوير أقمار تعمل ضمن نطاقات ترددية متقدمة لتوفير سرعات أعلى.
- دمج الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية داخل الأقمار نفسها.
- بناء شبكة متكاملة تدعم تقنيات الجيل السادس 6G.
- تمكين الهواتف العادية مستقبلا من الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية دون أجهزة إضافية.
ويرى محللون أن هذه الخطوات تمثل جزءا من مشروع “طريق الحرير الرقمي” الذي تسعى الصين عبره لتوسيع نفوذها التقني عالميا.
شراكات دولية تقلق واشنطن
وفي تطور لافت، وقعت شركة Airbus مذكرة تفاهم مع شركة سبيس سيل الصينية لدمج خدمات الإنترنت الفضائي ضمن حلول الترفيه والاتصالات الجوية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرا على رغبة بعض الشركات الأوروبية في تنويع خياراتها بعيدا عن الاعتماد الكامل على الأنظمة الأمريكية.
مخاوف بيئية وحطام فضائي
ورغم التقدم السريع، يواجه المشروع انتقادات متزايدة بسبب المخاطر البيئية المرتبطة بالتوسع الفضائي، خصوصا بعد حوادث تفكك بعض مراحل الصواريخ الصينية وتوليد مئات القطع من الحطام الفضائي الذي يهدد سلامة المدار الأرضي.
كما يحذر علماء الفلك من ظاهرة “التلوث الضوئي” الناتجة عن الأقمار الصناعية ذات السطوع المرتفع، والتي قد تؤثر على الأبحاث الفلكية ورصد السماء الليلية.
صراع على مستقبل الإنترنت العالمي
ويرى مراقبون أن المواجهة بين مشروع “ألف شراع” الصيني و”ستارلينك” الأمريكي لم تعد مجرد منافسة تقنية، بل تحولت إلى صراع مباشر على التحكم بالبنية التحتية الرقمية العالمية في العقود المقبلة.
ومع تسارع الاستثمارات الصينية في قطاع الفضاء التجاري، تبدو بكين عازمة على تثبيت نفسها كقوة كبرى في عصر الإنترنت الفضائي، وإنهاء مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة على هذا القطاع الحيوي.





