غياب النبي ﷺ في فيلم “الرسالة” تجربة جمالية وسردية فريدة

كيف يمكن لفيلم أن يتمحور حول شخصية لا تظهر أبداً على الشاشة، ليس لنقص فيها، بل لأنها أسمى من أن يحيط بها قيد المشهد؟ هذا التساؤل يمثل مفتاحاً لفهم فيلم مصطفى العقاد “الرسالة” (1976)، الذي قدم بدايات الإسلام لجمهور عالمي، لكنه في الوقت نفسه تجربة جمالية نادرة، حيث تدور كل أحداث الفيلم حول شخصية مركزية لا تدخل الكادر احتراما لمقام النبوة.
غياب النبي ﷺ كاستراتيجية سردية
لم يكن غياب النبي ﷺ عن الصورة مجرد التزام فقهي، بل أصبح وسيلة درامية متكاملة. يظهر الفيلم أن البطولة والحضور يمكن أن يتجليا في أثر ينتشر في الآخرين دون الحاجة إلى جسد مرئي على الشاشة.
الغياب كمساحة دلالية
تؤكد نظريات السينما أن المعنى لا يختزل فيما يظهر داخل الإطار فقط، بل يمتد إلى ما يبقى خارجه. فقد شدد المنظر الفرنسي أندريه بازان على أن قوة الصورة تكمن فيما توحي به أيضاً، بينما اعتبر نويل بورش أن الفضاء خارج الكادر مصدر للتوتر والدلالة السينمائية.
في “الرسالة” يتحول هذا الفضاء الغائب إلى محور العمل؛ الشخصية الأهم لا تظهر، لكن كل شيء يتحرك بسببها. الكاميرا والصوت وردود الأفعال والإيقاع السردي نفسه تدور حول نقطة غير مرئية لكنها محسوسة.
الكاميرا كبديل درامي
استخدم العقاد الكاميرا لتكون عين الحضور الغائب، حيث تتوجه الشخصيات أحياناً مباشرة إليها، كما لو كانت تمثل النبي ﷺ. أسلوب “الكاميرا الذاتية” (Subjective Camera) وفق الناقد ديفيد بوردويل، يمنح المتفرج شعوراً بالمشاركة، لكنه لا يضطر للعب دور الشخصية المقدسة، بل يكون شاهداً على أثرها.
الصوت كامتداد للحضور
لا تُسمع كلمات النبي ﷺ مباشرة، بل تنقل عبر الصحابة، ما يخلق ما يُعرف بـ”الصوت غير المتجسد” (Acousmatic Sound) كما يشرحه ميشيل شيون، حيث يمنح الصوت قوة رمزية تتجاوز حدود الجسد المادي، ويعكس سلطة معنوية تعتمد على الإيمان والسمو.
دراما ردود الأفعال
تتركز اللحظات الدرامية الكبرى على ردود أفعال الشخصيات تجاه الفعل، مثل إسلام حمزة وصمود بلال أو مفاوضات قريش. ينتقل الفيلم من “سينما الحدث” إلى “سينما الأثر الروحي”، حيث يُبنى المعنى عبر انعكاس تأثير الشخصية المركزية في الآخرين.
ذروة المشهد: فتح مكة
يتجلى أسلوب “التمثيل بالاستبعاد” في مشهد فتح مكة، حيث تُظهر الكاميرا حشود المسلمين في المدينة، بينما يظل الفاتح ﷺ غائباً جسدياً. الأثر الروحي للحظة يظهر في انحناء الرؤوس، ونظرة أبي سفيان المندهشة، وصمت المدينة الذي يعكس جلال اللحظة.
التوازن بين الالتزام الديني والابتكار الفني
أكد مصطفى العقاد في مقابلاته أن هدفه كان تقديم صورة صحيحة عن الإسلام للعالم، مع احترام المشاعر الدينية، واستخدام لغة سينمائية عالمية مفهومة لكل المشاهدين. هذا التوازن بين الالتزام الديني والطموح الفني جعل من غياب النبي ﷺ فرصة لابتكار أسلوب بصري فريد.
فيلم يتجاوز الزمن
بعد نحو خمسين عاماً على إنتاجه، يظل “الرسالة” تجربة جمالية أخّاذة، تذكرنا أن ما لا يُرى قد يكون أعمق أثراً من ما يُعرض مباشرة. الفيلم لا يصور الجسد، بل يصور التحولات التي يحدثها حضور النور النبوي في العالم، ويحول الغياب إلى قوة بصرية ومعنوية تترك أثرها في المتلقي.





