دولية

قراءة في ملامح التهدئة الإيرانية–الأمريكية ومؤشرات ما بعد الحرب

عندما أعلنت القيادة الإيرانية عن تحديد الرابع من يوليو/تموز المقبل موعداً لبدء مراسم تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي، فإنها كانت تدرك على نحو دقيق أن الظروف الداخلية والأمنية ستكون مواتية لتنظيم حدث بهذا الحجم، بما يتيح أيضاً ظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي، بوصفه الشخصية المرجحة لقيادة المرحلة المقبلة وإمامة صلاة الجنازة.

ويُفهم من هذا التوقيت، وفق تقديرات سياسية، أن القيادة الإيرانية قد بنت قرارها على قناعة بانتهاء المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب وجود مؤشرات على تحسن الوضع الصحي للمرشد الجديد بما يسمح له بالظهور العلني في لحظة سياسية حساسة.

وتشير هذه القراءة إلى أن الإعلان لم يكن ليصدر دون تفاهمات مسبقة عبر وسطاء، تضمن التزاماً بوقف العمليات العسكرية، مقابل قبول إيران بمضامين مذكرة التفاهم، بما يشمل وقف التصعيد ومنع أي تحركات عسكرية إسرائيلية جديدة.

وفي هذا السياق، يُتوقع أن تسعى طهران إلى توظيف مراسم التشييع باعتبارها حدثاً سياسياً بامتياز، لإظهار التماسك الداخلي وتعزيز سردية “الثبات والانتصار”، مع محاولة تعبئة الشارع الإيراني عاطفياً وسياسياً، وفتح صفحة جديدة تتضمن وعوداً بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مستندة إلى بنود في مذكرة التفاهم تتعلق بإنشاء صندوق استثماري لإعادة الإعمار.

تقييم لمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية

وبحسب تحليل النص النهائي لمذكرة التفاهم، فإن الاتفاق لم يحقق – وفق هذا الطرح – الأهداف التي كانت واشنطن تسعى لتثبيتها عبر الضغط العسكري والسياسي، سواء خلال فترة الحرب التي امتدت لنحو أربعين يوماً أو خلال مفاوضات لاحقة.

ويرى هذا التحليل أن المذكرة منحت إيران مكاسب متعددة، مقابل التزامات محدودة، بعضها كان قائماً أصلاً، مثل الموقف المعلن بشأن عدم تطوير سلاح نووي، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إعادة تنظيم للتوازنات وليس إلى فرض شروط أحادية.

وفي المقابل، فإن إيران – وفق هذا التوصيف – لم تحقق نصراً حاسماً، لكنها في الوقت نفسه لم تدخل في حالة استسلام، بل حافظت على تماسك بنيتها السياسية والعقائدية رغم الخسائر التي لحقت ببعض منشآتها الحيوية والعسكرية، مع قدرتها على إعادة ملء الفراغات القيادية بسرعة نسبية.

مرحلة إعادة التموضع والاستعداد

تشير المعطيات إلى أن أولويات إيران في المرحلة المقبلة ستركز على إعادة ترميم بنيتها العسكرية وإعادة بناء قدراتها، خصوصاً في مجال الصواريخ الباليستية، إلى جانب تعزيز الجاهزية لأي تصعيد محتمل، رغم ضعف احتمالات العودة المباشرة إلى الحرب.

وفي المقابل، تبدو واشنطن وطهران – بحسب هذا التصور – غير راغبتين في انهيار مسار التفاهمات، أو العودة إلى المواجهة، مع حرص مشترك على تجنب اتفاق متسرع قد يُفسَّر على أنه انتصار لطرف على حساب آخر.

أبعاد سياسية واقتصادية للاتفاق

تناولت العديد من التحليلات بنود مذكرة التفاهم باعتبارها أقرب إلى إطار اتفاق شامل، إذ وضعت أسساً لمسار تفاوضي ممتد خلال الأشهر المقبلة، وربما لفترة أطول، خصوصاً مع غياب القلق الأمريكي من انعكاسات الملف الإيراني على الاستحقاقات السياسية الداخلية.

وفي هذا السياق، يُشار إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تميل إلى تقديم الاتفاق داخلياً كإنجاز سياسي، خصوصاً في حال تحسن المؤشرات الاقتصادية مثل أسعار الطاقة والتضخم، وهو ما قد ينعكس على الرأي العام الأمريكي.

إعادة تعريف موازين النفوذ الإقليمي

وتُظهر المذكرة – وفق هذا التحليل – أن إيران حصلت على مكاسب تفوق التزاماتها، في وقت لم تعد فيه واشنطن قادرة على تحقيق اختراق حاسم بعد سنوات من التصعيد، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى تسوية تحفظ الحد الأدنى من التوازن.

كما برزت نقطة لافتة تتعلق باعتراف ضمني بالحلفاء الإقليميين للطرفين، حيث شمل الاتفاق إشارات إلى أطراف الصراع، بما في ذلك ما يُعرف بمحور المقاومة من الجانب الإيراني، في مقابل إسرائيل كحليف رئيسي للولايات المتحدة في هذا السياق.

ويعني ذلك أن الاتفاق تعامل مع هذه الأطراف كوقائع سياسية قائمة، مع محاولة ضبط سلوكها ضمن إطار وقف العمليات العسكرية، بغض النظر عن الجدل القانوني أو السياسي حول طبيعة أدوارها.

ملفات مؤجلة وتوازنات هشة

ورغم تركيز المذكرة على وقف التصعيد، إلا أنها – وفق هذا الطرح – لم تتناول بشكل مباشر ملف الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي، وهو ما اعتبره مراقبون ثغرة مهمة في بنية الاتفاق.

ويرجح هذا التحليل أن تجاهل هذه الملفات يعود إلى تغيّر طبيعة التهديدات وتراجع بعض القدرات العسكرية، إضافة إلى نجاح أنظمة الدفاع الإقليمية في الحد من فاعلية الهجمات، ما خفف من أولوية إدراجها في التفاهمات الحالية.

ومع ذلك، فإن غياب معالجة شاملة لهذه القضايا يبقي احتمالات التوتر قائمة، خاصة في ظل استمرار انعدام الثقة بين الأطراف، واحتمال إعادة تقييم دول المنطقة لعلاقاتها مع طهران بناءً على تجارب الصراع الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى