قراءة نقدية جديدة تتتبع التحولات الشعرية في تجربة محمود درويش

صدر حديثًا كتاب “سردية محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكلات القصيدة وتحولاتها” للناقد والأكاديمي الأردني الدكتور خليل الشيخ، في عمل يمتد على 512 صفحة، ويتناول المسار الإبداعي للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش من زاوية مختلفة، تقوم على قراءة تجربته الشعرية بوصفها سردية متكاملة تتطور من ديوان إلى آخر، لا مجرد مجموعة من القصائد المتفرقة.
ينطلق الكتاب من ديوان “عصافير بلا أجنحة” الصادر عام 1960، وصولًا إلى “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي” الذي نُشر بعد وفاة درويش، متتبعًا التحولات الفكرية والجمالية التي رافقت مشروعه الشعري طوال ما يقارب نصف قرن.
ويصدر الكتاب عن دار نشر الجامعة الأمريكية في بيروت ضمن سلسلة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للدراسات والنصوص العربية والإسلامية، في وقت يرى فيه مؤلفه أن قراءة شعر درويش تحتاج إلى تجاوز الصور النمطية التي حصرت تجربته في بعدها السياسي أو الوطني.
قراءة تتجاوز التفسير التقليدي
يعتمد خليل الشيخ منهجًا نقديًا يركز على البنية الداخلية للقصيدة، معتبرًا أن شعر درويش ينبغي أن يُقرأ باعتباره بناءً لغويًا وجماليًا قبل النظر إليه كوثيقة سياسية أو تعبير عن وقائع تاريخية.
ويرفض المؤلف ما يسميه “النظرة الوثائقية” التي اختزلت العديد من أعمال درويش في بعدها الوطني، مؤكدًا أن النصوص الشعرية تحمل منظومة من المجازات والتحولات الفنية التي تتجاوز السياق السياسي المباشر، وتكشف عن مشروع شعري متكامل تطور باستمرار عبر العقود.
ست سرديات ترسم تطور التجربة
يقسم الكتاب تجربة درويش إلى ستة محاور رئيسية تشمل: سردية التكوين، وسردية الخروج، وسردية الماضي في الحاضر، وسردية الشخصيات، وسردية الذات والآخر، وأخيرًا سردية الرحيل.
ويتيح هذا التقسيم تتبع تطور الصور الشعرية والرموز المركزية التي اعتمدها درويش، مثل الزيتون والقهوة والزعتر والبحر والنيل، بوصفها عناصر أسست معجمًا شعريًا متكاملًا تجاوز الرمزية المباشرة ليشكل عالمًا تخييليًا خاصًا بالشاعر.
التراث العربي في قلب المشروع الشعري
يتوقف الكتاب مطولًا عند علاقة درويش بالتراث العربي، متناولًا استحضاره لشخصيات مثل امرئ القيس والمتنبي وأبي فراس الحمداني، إضافة إلى استلهام الأندلس والمعلقات والذاكرة العربية القديمة.
ويرى المؤلف أن هذه الاستدعاءات لم تكن مجرد اقتباسات ثقافية، بل جاءت ضمن مشروع لإعادة بناء الذاكرة الشعرية العربية من منظور فلسطيني معاصر، حيث تتداخل أحداث الماضي مع التجربة الفلسطينية الحديثة في بنية شعرية واحدة.
كما يتناول الكتاب التعديل الذي أجراه درويش على أحد أبياته الشهيرة، عندما استبدل عبارة “إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار” بـ “إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار”، معتبرًا أن هذا التحول اللفظي يعكس انتقال القصيدة من التعليق السياسي المباشر إلى التأمل الوجودي.
الشخصيات بوصفها جزءًا من السردية
يفرد المؤلف مساحة واسعة لقصائد الرثاء التي كتبها درويش، معتبرًا أنها لا تقتصر على تأبين الشخصيات، بل تسهم في بناء سردية جماعية متماسكة.
ويتناول الكتاب نصوصًا كتبها الشاعر عن شخصيات مثل راشد حسين، ووائل زعيتر، وأمل دنقل، ويانيس ريتسوس، ونزار قباني، وإميل حبيبي، وإدوارد سعيد، وسليم بركات، وغيرهم، موضحًا كيف تتحول كل شخصية إلى عنصر فاعل داخل المشروع الشعري العام.
وفي قراءته لقصيدة “طباق” المهداة إلى إدوارد سعيد، يبرز الشيخ التداخل بين مفهوم الطباق البلاغي العربي وفكرة “الكونترابوينت” التي طورها سعيد في دراساته الثقافية، موضحًا كيف بنى درويش شخصية سعيد عبر ثنائيات المكان واللغة والهوية.
من القصيدة الوطنية إلى الأفق الإنساني
يرى المؤلف أن تجربة محمود درويش مرت بتحول تدريجي من الخطاب الوطني المباشر في بداياته إلى أفق إنساني أكثر اتساعًا، حيث أصبحت فلسطين في شعره رمزًا يتجاوز الجغرافيا ليطرح أسئلة تتعلق بالهوية والوجود والذاكرة.
ويتابع الكتاب أثر المنفى في تشكيل هذا التحول، مستعرضًا انعكاس محطات حياة درويش، من فلسطين إلى القاهرة وبيروت وأوروبا، على معجمه الشعري ورؤيته للعالم، وكيف اكتسبت مفردات مثل البحر والنهر أبعادًا فلسفية تتجاوز دلالاتها الجغرافية.
أسلوب يجمع العمق والوضوح
يمتاز الكتاب، بحسب القراءة، بلغة نقدية تجمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السلس، مبتعدًا عن التعقيد الاصطلاحي الذي يميز كثيرًا من الدراسات النقدية، مع المحافظة على عمق التحليل والصرامة المنهجية.
وفي فصله الأخير، الذي يتناول “سردية الرحيل” في أعمال مثل “الجدارية” و**”لاعب النرد”**، يخلص المؤلف إلى أن درويش انتقل من قصيدة الهوية والبطولة إلى قصيدة التأمل الوجودي، حيث يغدو الإنسان في مواجهة أسئلة المصير والصدفة والزمن، لتختتم تجربته الشعرية برؤية أكثر هدوءًا وعمقًا، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها الأولى.





