تمبكتو تواجه العزلة والأزمات.. مدينة المخطوطات تصارع للحفاظ على إرثها التاريخي

تقف مدينة تمبكتو، الواقعة في شمال مالي، أمام تحديات أمنية واقتصادية متفاقمة تهدد حاضرها ومستقبلها، بعدما كانت على مدى قرون مركزًا بارزًا للعلم والثقافة والتجارة في قلب الصحراء الكبرى.
واشتهرت المدينة بدورها التاريخي كمحطة رئيسية للقوافل التجارية، ومركز ازدهرت فيه العلوم والفنون، حيث ارتبط اسمها بالمخطوطات النادرة ورحلات التجار الذين نقلوا الذهب والملح والمعرفة عبر الصحراء، قبل أن تتحول في السنوات الأخيرة إلى مدينة يثقلها الخوف وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتسببت الأوضاع الأمنية التي بدأت مع سيطرة الجماعات المسلحة على المدينة قبل نحو 15 عامًا، وما أعقبها من أزمات اقتصادية ومناخية، في نزوح أعداد كبيرة من السكان، حتى بات معظم من بقي فيها ممن لم يتمكنوا من مغادرتها، وفق مسؤولين محليين.
كما دفعت هذه الظروف المشرفين على المكتبات إلى نقل عدد كبير من المخطوطات التاريخية إلى العاصمة باماكو حفاظًا عليها، قبل أن يعود جزء منها لاحقًا إلى المدينة.
ولم تسلم السياحة، التي كانت تشكل أحد أهم مصادر الدخل في تمبكتو، من تداعيات الأزمة، إذ تراجعت أعداد الزوار بصورة حادة منذ عام 2009، ما أدى إلى إغلاق العديد من الفنادق والمتاجر، رغم استمرار بعض أصحاب المنشآت في العمل أملاً بعودة الحركة السياحية.
وساهمت بعض المبادرات الثقافية، مثل مهرجان العيش المشترك والمهرجان الفني السنوي، في استقطاب أعداد محدودة من الزوار، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لإعادة النشاط الاقتصادي إلى مستواه السابق.
ورغم الظروف الصعبة، لا تزال تمبكتو تحتفظ بمكانتها التاريخية باعتبارها واحدة من أبرز الحواضر العلمية في أفريقيا، حيث تضم مكتبات ومخطوطات توثق قرونًا من الإنتاج العلمي والأدبي، وتعكس التنوع الثقافي الذي شهدته المدينة عبر تاريخها.
ويُعد معهد أحمد بابا التمبكتي من أهم المؤسسات المعنية بحماية هذا الإرث، إذ يعمل على صيانة آلاف المخطوطات التاريخية التي تواجه مخاطر التلف بسبب الظروف المناخية القاسية، إضافة إلى الأخطار الأمنية التي تهددها بين الحين والآخر.
وكانت هذه المخطوطات قد تعرضت لخطر كبير خلال سيطرة الجماعات المسلحة على المدينة عام 2013، عندما سارع العاملون في المعهد ومتطوعون إلى تهريب مئات المخطوطات ونقلها سرًا إلى العاصمة باماكو، في محاولة لإنقاذها من الحرق والتدمير.
ومع تجدد الاضطرابات الأمنية في شمال مالي خلال الأشهر الأخيرة، تزداد المخاوف من تكرار تلك الأحداث، في وقت يواصل فيه القائمون على المعهد جهودهم لحماية ما تبقى من هذا الإرث الثقافي الفريد، الذي يمثل جزءًا مهمًا من تاريخ أفريقيا والعالم الإسلامي.





