ثقافة

كتاب جديد يعيد قراءة النهضة اليابانية.. هل كانت “معجزة” أم ثمرة قرون من التراكم؟

يقدم الباحث المغربي سلمان بونعمان في كتابه الجديد “النهضة اليابانية – دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة” قراءة مختلفة لمسار النهضة اليابانية، محاولا الإجابة عن سؤال ظل يشغله منذ سنوات الدراسة: لماذا نجحت اليابان في بناء مشروعها الحضاري، بينما تعثرت تجارب النهضة في العالم العربي والإسلامي؟

ويقع الكتاب في جزأين يضمان نحو 700 صفحة، وصدر حديثا عن دار عقول الثقافة للنشر والتوزيع بالشراكة مع مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، ليشكل امتدادا وتطويرا لكتاب سابق للمؤلف صدر عام 2012 حول التجربة اليابانية.

نقد مفهوم “المعجزة اليابانية”

يرفض بونعمان وصف النهضة اليابانية بـ”المعجزة”، معتبرا أن هذا التعبير يعزل التجربة عن سياقها التاريخي، ويصورها كحدث استثنائي لا يخضع لقوانين التطور الحضاري.

ويرى أن اليابان لم تحقق نهضتها نتيجة طفرة مفاجئة، بل عبر مسار طويل من التراكمات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، امتد لقرون قبل انطلاق إصلاحات عصر ميجي عام 1868.

اهتمام عربي قديم بالتجربة اليابانية

ويتوقف الكتاب عند الحضور المبكر لليابان في الفكر الإصلاحي العربي منذ القرن التاسع عشر، مستعرضا كتابات عدد من المفكرين، من بينهم محمد بيرم التونسي، وجمال الدين الأفغاني، وشكيب أرسلان، ومالك بن نبي.

لكن المؤلف يرى أن معظم هذه القراءات ركزت على نتائج النهضة اليابانية وإنجازاتها العسكرية والاقتصادية، دون التعمق في العوامل الداخلية التي مهدت لهذا التحول التاريخي.

عصر توكوغاوا.. البدايات الحقيقية

ويعتبر بونعمان أن جذور النهضة اليابانية تعود إلى حقبة توكوغاوا الممتدة بين عامي 1603 و1868، وهي الفترة التي شهدت بناء مؤسسات الدولة، وتطوير الإدارة والتعليم والاقتصاد، بما وفر الأرضية التي قامت عليها إصلاحات ميجي لاحقا.

ويقدم هذه المرحلة باعتبارها فترة إعداد هادئة للنهوض، وليست زمنا للجمود والانغلاق كما تصفها بعض الدراسات.

“الفراشة الحضارية”.. نموذج لتفسير التحول

ولشرح طبيعة التحول الياباني، يستعين المؤلف باستعارة “الفراشة الحضارية”، التي تشبه تطور اليابان بمراحل تحول الفراشة من البيضة إلى اليرقة ثم الشرنقة وصولا إلى الطيران.

ومن خلال هذا النموذج، يميز بين مفهومين رئيسيين هما “القدرة الحضارية”، التي تمثل الطاقات الكامنة داخل المجتمع، و”التمكن الحضاري”، الذي يعبر عن امتلاك أدوات التقدم المادي، مؤكدا أن النهضة الحقيقية تحتاج إلى الجمع بين الاثنين.

القيم قبل المؤسسات

ويخصص الجزء الثاني من الكتاب مساحة واسعة لدراسة الأسس الأخلاقية والروحية التي قامت عليها النهضة اليابانية، موضحا أن المؤسسات الحديثة لم تكن وحدها وراء النجاح، بل استندت إلى منظومة قيم تشكلت عبر تفاعل الشنتوية والبوذية والكونفوشيوسية الجديدة وحركة “كوكوغاكو”.

ويبين أن هذه المنظومة أسهمت في ترسيخ قيم الانضباط والعمل والإتقان والانتماء، حتى أصبح العمل اليومي جزءا من منظومة أخلاقية ذات بعد روحي.

اليابان مرآة للأسئلة العربية

ولا يتعامل بونعمان مع التجربة اليابانية بوصفها موضوعا تاريخيا فحسب، بل يجعل منها مدخلا لإعادة التفكير في إشكاليات النهضة العربية، خاصة العلاقة بين الهوية والحداثة.

ويستند في ذلك إلى أفكار عدد من المفكرين، من بينهم طه عبد الرحمن وأمين معلوف، ليطرح إمكانية بناء مشروع حضاري يستفيد من منجزات العصر دون التفريط في الخصوصية الثقافية.

ويخلص الكتاب إلى أن النهضة ليست وصفة جاهزة يمكن نقلها من مجتمع إلى آخر، وإنما عملية تاريخية طويلة تقوم على التراكم والصبر وبناء الإنسان، وهو ما يجعل التجربة اليابانية نموذجا للتأمل أكثر من كونها نموذجا للاستنساخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى